الاقتصادية

عجز مفاجئ في سوق النفط العالمية بعد اضطرابات الشرق الأوسط

تشهد سوق النفط العالمية تحولاً حاداً في مسارها خلال هذا العام، بعدما دفع الصراع العسكري المتصاعد في إيران المحللين إلى مراجعة توقعاتهم بشكل جذري، من سيناريو فائض مريح في المعروض إلى احتمال حدوث عجز ملحوظ في الإمدادات.

ويرى عدد من خبراء الطاقة أن الضربات التي طالت البنية التحتية النفطية، إضافة إلى التوترات العسكرية المرتبطة بالهجمات الأمريكية والإسرائيلية، قد أحدثت خللاً كبيراً في تدفقات الخام العالمية، خصوصاً عبر مضيق هرمز الذي يُعد شرياناً رئيسياً يمر من خلاله نحو خمس الاستهلاك العالمي من النفط.

وبحسب تقديرات حديثة لثمانية محللين، فإن الطلب العالمي قد يتجاوز العرض بنحو 750 ألف برميل يومياً في المتوسط خلال السنة الجارية، في انعكاس واضح لتغيرات جيوسياسية غير متوقعة أعادت تشكيل موازين السوق.

ويأتي هذا التوقع مخالفاً لتقديرات سابقة صدرت في سبتمبر الماضي، والتي كانت تشير إلى فائض كبير قد يصل إلى 1.63 مليون برميل يومياً في عام 2026، مدفوعاً بزيادة إنتاج تحالف “أوبك+” إلى جانب نمو قوي في إمدادات دول مثل الولايات المتحدة والبرازيل وغيانا.

وفي سياق متصل، تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن النزاع العسكري أدى إلى تقليص الإمدادات بما يصل إلى 11 مليون برميل يومياً حتى نهاية مارس، بينما قدّر بنك “ANZ” حجم الفاقد الفعلي بنحو 9 ملايين برميل يومياً من النفط الخام. وكانت الوكالة نفسها قد قدرت الإنتاج العالمي في يناير بنحو 106.6 مليون برميل يومياً.

ويرى المحللون أن التأثير الفعلي لهذه الاضطرابات لن يقتصر على المرحلة الحالية فقط، بل قد يمتد طوال العام، مع خسارة متوقعة في الإنتاج بمتوسط 2.13 مليون برميل يومياً.

كما يُتوقع أن يكون الربع الثاني الأكثر ضغطاً على السوق، مع عجز قد يصل إلى 3 ملايين برميل يومياً، قبل أن تعود السوق تدريجياً إلى التوازن في الربع الأخير مع تسجيل فائض محتمل قدره 1.4 مليون برميل يومياً.

لكن هذه التوقعات تبقى مرهونة بتطورات الوضع الأمني في مضيق هرمز، حيث يحذر خبراء من أن استمرار الاضطرابات قد يعمّق أزمة الإمدادات بشكل أكبر.

وتشير بيانات السوق إلى أن حركة الشحن عبر المضيق ما تزال غير مستقرة، رغم إعلان وقف إطلاق النار، مع غياب مؤشرات واضحة على عودة التدفقات بشكل منتظم.

وفي هذا السياق، أفاد محلل الطاقة العالمي في مجموعة “ماكواري” فيكاس دويفيدي بأن نحو 136 مليون برميل من النفط ومشتقاته ما تزال عالقة في منطقة الخليج نتيجة الاضطرابات، وهو ما يفاقم حالة الضغط على السوق العالمية. وأضاف أن التحديات اللوجستية المتعلقة بالتأمين ومخاطر العقوبات المحتملة تزيد من تعقيد عمليات النقل البحري، خصوصاً في ظل الحديث عن فرض رسوم على السفن العابرة للمضيق.

على صعيد الأسعار، أدت هذه التطورات إلى موجة صعود قوية في أسواق النفط، حيث رفع محللون توقعاتهم لسعر خام برنت لعام 2026 بنسبة تقارب 30% ليصل إلى 82.85 دولاراً للبرميل، في حين سجلت الأسعار ارتفاعاً إجمالياً يقارب 50% منذ بداية الأزمة.

ورغم التوقعات بعودة تدريجية للإنتاج، إلا أن محللين يحذرون من أن استعادة مستويات ما قبل الحرب قد تستغرق عدة أشهر، في ظل حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية النفطية وصعوبات استئناف التصدير عبر الممرات الحيوية.

كما تشير تقديرات إلى إمكانية عودة جزئية للإنتاج تتراوح بين 2 و3.5 مليون برميل يومياً خلال مراحل متفرقة من الربع الثاني، دون أن يعني ذلك تعافياً كاملاً للسوق.

وفي المقابل، لا يستبعد خبراء أن يؤدي النزاع إلى خسارة دائمة تتراوح بين مليون ومليوني برميل يومياً من القدرة الإنتاجية، حتى بعد انتهاء العمليات العسكرية، وهو ما قد يعزز من هشاشة سوق النفط ويزيد من تقلبات الأسعار خلال الفترة المقبلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى