الاقتصادية

عالم على حافة الفناء.. ساعة القيامة تتقدم وسيناريو الحرب النووية يتسارع

قبل أكثر من سبعين عامًا، خاض العلماء أول اختبار نووي في صحراء نيو مكسيكو، تحت اسم رمزي لا يُنسى: “ترينيتي”. آنذاك، كان الخوف يختلط بالإعجاب، وكانت الحسابات العلمية تتحدث عن احتمالية “تفاعل متسلسل” قد يلتهم الأرض. اليوم، لم يتغير الخطر… لكنه أخذ شكلاً جديدًا: سياسيًا، اقتصاديًا، وتكنولوجيًا.

ففي فبراير 2026، وجد العالم نفسه لأول مرة منذ نصف قرن بلا أي سقف قانوني يضبط أخطر ترسانتين نوويتين على الكوكب، بعد انتهاء معاهدة “نيو ستارت” بين واشنطن وموسكو. النتيجة لم تكن مجرد فراغ دبلوماسي، بل زلزالاً استراتيجياً دفع “ساعة القيامة” إلى 85 ثانية فقط قبل منتصف الليل.

مع سقوط “نيو ستارت”، انتهى آخر نظام فعّال للحد من الأسلحة النووية الاستراتيجية، وهو النظام الذي كان يقيّد عدد الرؤوس النووية ويضمن آليات تفتيش متبادلة. أكثر من 300 عملية تفتيش ميداني وعشرات آلاف الإخطارات حول تحركات الأسلحة، أصبحت اليوم جزءًا من الأرشيف التاريخي.

وبينما نجح الرئيس الأميركي السابق جو بايدن في تمديد المعاهدة لخمس سنوات إضافية عام 2021، فإن نهاية صلاحيتها الآن تعني دخول القوى النووية الكبرى مرحلة “العمى الاستراتيجي”، حيث تحل التقديرات الاستخباراتية محل الشفافية، وسيناريوهات الأسوأ محل الحسابات العقلانية.

غياب قنوات التحقق الرسمية يجعل أي حركة عسكرية أو اختبار صاروخي مادة خصبة لسوء الفهم. قد يكفي إنذار تقني خاطئ أو تقرير استخباراتي مبالغ فيه لإشعال الأزمة.

هذا ما دفع “نشرة علماء الذرة” إلى إطلاق “إنذار أحمر”، معتبرة أن تآكل النظام الدولي أسرع من قدرة الدبلوماسية على الإصلاح، ليس في المجال النووي فقط، بل أيضًا في مواجهة التغير المناخي والمخاطر البيولوجية والتقنيات التخريبية الحديثة.

الحرب في أوكرانيا، التوترات بين الهند وباكستان، الملف النووي الإيراني… كلها عوامل تضغط على نظام دولي هش.

في هذا المناخ، أصبح احتمال استخدام السلاح النووي —ولو عن طريق الخطأ— سيناريو مطروحًا يوميًا، لا مجرد فرضية نظرية.

لم يعد الصراع النووي ثنائيًا. الصين، التي توسع ترسانتها بوتيرة سريعة، باتت لاعبًا ثالثًا يربك الحسابات التقليدية. ومع توقعات ببلوغ ترسانتها ألف رأس نووي خلال سنوات قليلة، فإن أي محاولة لاتفاق جديد تصطدم بعقدة إدراج بكين، وهو ما ترفضه الأخيرة في الوقت الراهن.

هكذا يتشكل “مثلث نووي” معقد يجعل أي تفاوض أكثر هشاشة من زمن الحرب الباردة.

أخطر التحولات لا تكمن في عدد الرؤوس النووية فقط، بل في التكنولوجيا التي تديرها. الذكاء الاصطناعي والهجمات السيبرانية أصبحا جزءًا من أنظمة القيادة والسيطرة، ما يعني أن أي اختراق رقمي أو تعطيل قمر صناعي يمكن تفسيره كتمهيد لضربة نووية.

وتزداد الصورة قتامة مع تقارير عن سعي بعض القوى لتسليح الفضاء، ما يحوّل المدار الأرضي إلى ساحة مواجهة جديدة ويضيف بعدًا رابعًا لمعادلة الردع التقليدية.

في هذا المناخ، أطلقت إدارة ترامب مشروع “القبة الذهبية”، نظام دفاع فضائي ضخم يُفترض أن يحمي الولايات المتحدة من الصواريخ النووية والفرط صوتية. أنصاره يرونه ثورة دفاعية، بينما يراه خصومه نسفًا لمنطق الردع المتبادل.

بالنسبة لموسكو وبكين، المشروع ليس مجرد درع، بل سلاح هجومي مقنع، لأنه قد يتيح للولايات المتحدة شن ضربة أولى دون خوف من الرد، ما دفع روسيا إلى تسريع تطوير صواريخ عابرة للقارات يصعب اعتراضها.

ساعة القيامة لم تعد مجرد رمز أخلاقي، بل أصبحت مؤشرًا لسلوك الأسواق. كلما اقتربت من منتصف الليل، اتجه المستثمرون نحو الأصول الدفاعية: الذهب، المعادن الاستراتيجية، والنحاس والليثيوم، التي وصفت بـ “نفط القرن الحادي والعشرين”.

الأمن السيبراني أصبح جزءًا أساسيًا من هذه المعادلة. شركات الحماية الرقمية، مثل CrowdStrike وPalo Alto Networks، تحولت إلى “دروع رقمية” لا غنى عنها للدول والمؤسسات.

في عالم 2026، يبدو أن الخوف أصبح الوقود الأساسي للاقتصاد العالمي: الخوف يولد إنفاقًا، والإنفاق يعزز أرباح من يبيعون الحماية، مهما كان شكلها.

بين سباق التسلح، وتآكل المعاهدات، وتسليع الخوف، يبقى السؤال: هل نشهد نهاية نظام الردع الذي حفظ العالم من الفناء لعقود؟ أم أننا ندخل مرحلة أخطر، حيث تحمي “القبة” طرفًا واحدًا، بينما يُجبر الآخرون على بناء “مطارق” أثقل لتحطيمها؟

الساعات لا تجيب… لكنها تواصل العدّ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى