شركة سويسرية تدعو المغرب إلى استئناف التنقيب عن الهيدروجين الطبيعي بالأقاليم الجنوبية

عاد مشروع استكشاف الهيدروجين الطبيعي في الأقاليم الجنوبية للمغرب إلى واجهة النقاش، بعدما دعت الشركة السويسرية «هاينات» (HyNat) المكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن إلى استئناف المفاوضات المباشرة أو اللجوء إلى وسيط مستقل، بهدف تسوية الخلاف القائم وإعادة إطلاق عمليات الاستكشاف التي توقفت قبل استكمال مراحلها التقنية.
ويأتي هذا التحرك في وقت تتزايد فيه الاهتمامات الدولية بالهيدروجين الطبيعي باعتباره أحد مصادر الطاقة البديلة التي يمكن استخراجها مباشرة من باطن الأرض، دون الحاجة إلى عمليات التحليل الكهربائي المستخدمة في إنتاج الهيدروجين الأخضر، والتي تتطلب استهلاكاً مهماً للكهرباء والمياه.
وتعود بداية المشروع إلى 11 غشت 2021، حين أبرمت «هاينات» اتفاقاً مع المكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن لاستكشاف الإمكانات الجيولوجية للهيدروجين الطبيعي في مناطق واسعة من جنوب المملكة.
وقد أشار التقرير السنوي للمكتب برسم السنة نفسها إلى هذا الاتفاق، إلى جانب اتفاق آخر مع الدولة المغربية يتعلق بأعمال البحث في المناطق المحجوزة لفائدتها.
وبعد إطلاق المشروع، أنجزت الشركة السويسرية عمليات ميدانية أولية شملت قياسات ومسوحاً جيولوجية وجيوفيزيائية، بهدف تحديد المناطق التي يُحتمل أن تتوفر على مؤشرات لوجود الهيدروجين الطبيعي. غير أن هذه الأعمال لم تتطور إلى مراحل أكثر تقدماً، بسبب خلافات قانونية وتقنية بين الطرفين بشأن وضعية الاتفاق والالتزامات المرتبطة به.
وتؤكد «هاينات» أن تعثر المشروع يرتبط، أساساً، بعدم حصولها على التراخيص والبيانات الجيوفيزيائية والزلزالية اللازمة لمواصلة الاستكشاف.
وتتمسك الشركة بموقفها القائل إن الاتفاق لم ينتهِ، داعية إلى استئناف الحوار من أجل توضيح الالتزامات التعاقدية والتحقق علمياً من النتائج الأولية التي جرى التوصل إليها.
في المقابل، يعتبر المكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن أن الاتفاق استنفد مدته وفق الشروط المنصوص عليها، مرجعاً جانباً من أسباب تعثر المشروع إلى خلافات نشأت مع أحد مقدمي الخدمات المشاركين في عمليات المسح الزلزالي.
وتشكل مسألة البيانات الجيوفيزيائية والزلزالية إحدى أبرز نقاط الخلاف بين الطرفين، بالنظر إلى دورها في تحديد طبيعة التكوينات الجيولوجية العميقة وتقييم مدى ملاءمتها لاحتضان مكامن الهيدروجين الطبيعي.
ووفقاً لما أوردته منصة «سولاربايك»، تكتسي هذه المعطيات أهمية حاسمة في الانتقال من مرحلة رصد المؤشرات والانبعاثات السطحية إلى مرحلة حفر الآبار واختبار التكوينات الموجودة في باطن الأرض.
وتستند الشركة السويسرية في دفاعها عن مواصلة المشروع إلى نتائج ميدانية أولية تشير إلى وجود مؤشرات على الهيدروجين الطبيعي في بعض مناطق الأقاليم الجنوبية.
غير أن هذه المؤشرات، رغم أهميتها في توجيه أعمال البحث، لا تكفي وحدها لإثبات وجود احتياطيات قابلة للاستغلال التجاري.
ويتطلب تأكيد الجدوى الاقتصادية لأي اكتشاف تحديد حجم المكمن وعمقه وخصائصه الجيولوجية، فضلاً عن التحقق من استمرارية تدفق الغاز ومعدلات إنتاجه، من خلال عمليات حفر واختبارات تقنية متخصصة.
ولذلك، فإن المؤشرات المتاحة لا تعني بالضرورة أن المغرب توصل بالفعل إلى اكتشاف احتياطيات تجارية مؤكدة من الهيدروجين الطبيعي.
وتنبع أهمية هذا المورد من إمكانية إنتاجه مباشرة من الأرض، ما قد يتيح، في حال إثبات وجود مكامن قابلة للاستغلال بكميات وتدفقات اقتصادية، تطوير مصدر إضافي للطاقة منخفضة الانبعاثات.
ومع ذلك، لا يزال استكشاف الهيدروجين الطبيعي قطاعاً ناشئاً على المستوى العالمي، وتظل كلفة الاستخراج واستمرارية الإنتاج من أبرز العوامل المحددة لجدواه الاقتصادية.
ولا تقتصر استراتيجية المغرب في هذا المجال على مشروع «هاينات»، إذ سبق للمكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن أن أعلن، في مارس 2025، عن تحديد أهداف استكشافية واعدة للهيدروجين الطبيعي في مناطق تشمل الأقاليم الجنوبية والهضبتين الغربية والشرقية.
وتعتمد هذه المقاربة على تنويع مناطق البحث وتوسيع الشراكات العلمية والتقنية، من خلال التعاون مع شركة «ستورينجي» (Storengy) الفرنسية في الهضبة الساحلية، إلى جانب شراكة مع جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية لاستكشاف الإمكانات المرتبطة بحوض الخميسات.
ويعكس هذا التوجه رغبة المغرب في تقييم مختلف الإمكانات الجيولوجية المتاحة، وعدم حصر عمليات الاستكشاف في منطقة واحدة أو ربطها بشريك محدد، بما يسمح بتكوين صورة أكثر شمولاً عن الموارد المحتملة للهيدروجين الطبيعي بالمملكة.
ويتزامن هذا التوجه مع تطورات في الإطار القانوني والمؤسساتي المنظم لقطاع الطاقة والمعادن خلال سنة 2026، شملت إصلاحات تروم تحويل المكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن إلى شركة مساهمة، مع منحه صلاحيات انتقالية وغير حصرية في مجال نقل الغاز الطبيعي والهيدروجين الطبيعي وتخزينهما، في انتظار استكمال الإطار التشريعي المنظم لهذه الأنشطة، إلى جانب صلاحيات مرتبطة بحقوق البحث والاستغلال في الموارد المعدنية والطاقية.




