سيكولوجية السيولة: كيف تحرك القوى الخفية أسعار الأسهم بعيداً عن المنطق الظاهري؟

في عالم المال، ليست كل الاختيارات الموفقة واضحة من النظرة الأولى، تمامًا كما يحدث في لعبة فانتازي الدوري الإنجليزي الممتاز. قد تبدو القرارات منطقية، والرهانات محسوبة، والتوقعات دقيقة…
ومع ذلك، قد يجد المستثمر نفسه أمام نتائج مفاجئة، وفرص ضاعت رغم أنها بدت في المتناول. هنا، تشبه الأسواق عالم اللعبة الافتراضية: نجاح قليل، مفاجآت كثيرة، وفهم عميق ضروري للفوز.
في فانتازي الدوري، يشكل اللاعب فريقه من نجوم كرة القدم، ويكتسب النقاط وفق أداء هؤلاء اللاعبين في المباريات الفعلية. إضافة “هالاند” للفريق، على سبيل المثال، قد تبدو خطوة ذكية، وإذا سجل اللاعب، تُحتسب النقاط تلقائيًا.
لكن الفوز الحقيقي لا يعتمد على الأسماء الكبيرة فقط؛ أحيانًا، يأتي أعلى الأداء من لاعبين أقل شهرة، ممن يفهمون توقيت الانفجارات وديناميكيات المباريات وظروف المنافسة.

الأسواق المالية تعمل وفق منطق مشابه، لكنها أكثر تعقيدًا وأوسع نطاقًا. مليارات الأسهم تتداول يوميًا، وحركات الأسعار ليست عشوائية، بل نتيجة تفاعل دقيق بين صناع السوق، المؤسسات الاستثمارية، الخوارزميات، والمتداولين الأفراد.
الفرق الأساسي هو أن القواعد واحدة، لكن أدوات اللعب متنوعة، والتحكم في السيولة يمثل سلاح القوة الأبرز.
كشف انهيار وول ستريت عام 1987 عن قصور النظام التقليدي، ما أدى إلى اعتماد التداول الإلكتروني بشكل كامل. اليوم، يعتمد صانع السوق على خوارزميات فائقة السرعة لتوفير السيولة وتسعير الأسهم، خاصةً تلك قليلة التداول، التي تشكل نحو 30% من السوق الأمريكية بمبالغ تقل عن نصف مليون دولار يوميًا.
رغم أهمية دورهم، فإن نفوذ صناع السوق محدد بالقواعد التنظيمية والمخاطر المالية. فبورصة “نيويورك أركا” تشترط الحفاظ على عروض أسعار ثنائية الجانب باستمرار، مع استيفاء الحد الأدنى لرأس المال الصافي، كما تفرض هيئة الأوراق المالية الأمريكية متطلبات رأس المال والهامش لضمان تنفيذ الصفقات.

الدراسات تشير إلى أن صناع السوق يحسنون كفاءة الأسعار على المدى القصير، لكن تأثيرهم على العوائد طويلة الأجل محدود، إذ تأتي أرباحهم غالبًا من فروق الأسعار، وليس من توقع تحركات السوق الكبرى.
حتى كبار المستثمرين مثل صناديق التحوط وصناديق التقاعد يؤثرون على الأسعار عند تنفيذ أوامر ضخمة، لكن تأثيرهم مؤقت ويستمر لأيام أو أسابيع فقط. أما شركات التداول عالي التردد، فتعمل أيضًا كصناع سوق، موفرة سيولة كبيرة، لكنها تركز على أرباح سريعة من المراجحة قصيرة الأجل، دون أن تتحكم بالاتجاهات طويلة الأجل.
كما في فانتازي الدوري، يمكن للأفراد صغار الحجم أن يحدثوا تأثيرًا غير متوقع إذا تحركوا معًا. ارتفعت حصة المتداولين الأفراد في تداولات الأسهم الأمريكية إلى 30%-37% عام 2025 مقارنة بـ15%-20% قبل خمس سنوات.
وتجربة “طفرة أسهم الميم” عام 2021 أظهرت كيف يمكن لمجموعة من المستثمرين الهواة قلب رهانات كبار المتداولين، كما حدث مع أسهم “جيم ستوب” و”إيه إم سي”.
المؤسسات تحرك الاتجاهات طويلة الأجل، وشركات التداول عالي التردد تتحكم في أجزاء من الثانية، والمتداولون الأفراد يضيفون زخمًا وتقلبات في قطاعات محددة. التفاعل المستمر بين هذه الأطراف يحرك السوق ويحدد الأسعار، وليس لفئة واحدة القدرة على السيطرة المطلقة.
حتى في أسواق مثل الصين، حيث يشكل المستثمرون الأفراد الجزء الأكبر من حجم التداول، تظل المؤسسات الحكومية وصناديق التقاعد عوامل رئيسية، ضمن قيود أكثر صرامة كالحد من التقلبات وآليات وقف التداول.
كما في فانتازي الدوري، لا يكسب الجميع، والجهد لا يُقاس دائمًا بالنقاط الفعلية. الأسواق تكشف من فهم بنيتها ومن اكتفى بمطاردة الأسماء الضخمة والضجيج. النقاط الحقيقية تُستخلص من الفهم العميق، التحليل المستمر، والقدرة على اقتناص الفرص في الوقت المناسب.
في لعبة المال، السؤال الحقيقي ليس من يملك الأدوات الأقوى، بل من يعرف كيف يحسب النقاط ويحققها.



