سيكولوجية الاستثمار: لماذا نضحي بالأسهم الرابحة ونراهن على الأمل الخاسر؟

في عالم الاستثمار، لا تتوقف المخاطر عند تقلبات السوق أو الأخبار الاقتصادية، بل تمتد إلى الداخل النفسي للمتداولين أنفسهم.
فالكثير من المستثمرين في سوق الأسهم يجدون أنفسهم محاصرين بين القلق الدائم على محافظهم المالية والأمل في أرباح مستقبلية، ما يجعلهم عرضة لما يعرف بـ”تأثير التصرف” (Disposition Effect)، حيث تتقاطع العاطفة مع اتخاذ القرار المالي بطريقة قد تكلفهم كثيرًا.
يعكس هذا التأثير نمطًا واضحًا في سلوك المستثمرين: البيع السريع للأصول الرابحة لتأمين المكاسب، بينما يتمسكون بالأصول الخاسرة على أمل تعويض الخسائر، متجاهلين الحقائق الاقتصادية والمنطقية.
أجرت جامعتي كيل وشيكاغو دراسة تجريبية معمقة لفهم تأثير التصرف، مستندة إلى نظرية الاحتمال (Prospect Theory)، التي توضح أن المستثمرين يقيمون قراراتهم وفقًا لنقطة مرجعية غالبًا ما تكون “سعر الشراء”. فالتحفظ عند تحقيق الأرباح والسعي وراء المخاطرة عند الخسارة ليس أمرًا عشوائيًا، بل نتاج طبيعة بشرية نفسية.
كشفت التجربة أن المشاركين يميلون للامتناع عن شراء سهم ارتفع من 100 إلى 110 ريالات، رغم توقع ارتفاعه إلى 120 ريالًا، لأنهم يشعرون بأنهم “فوتوا فرصة الشراء” السابقة. وتعكس هذه الممارسة كيف تُبنى قرارات البيع والشراء على الأرقام المرجعية لا على التحليل المستقبلي للأسعار.
أظهرت النتائج أن متوسط نسبة بيع الأسهم الرابحة بلغ 59%، في حين لم تتجاوز نسبة بيع الأسهم الخاسرة 36%، مما أثر بشكل مباشر على جودة الأرباح، إذ حقق المشاركون ربحًا متوسطًا 60% لكل سهم مباع، مقابل الأسهم المحتفظ بها.

كما سلطت الدراسة الضوء على انحياز الارتداد، حيث كانت 62% من الأسهم المشتراة خاسرة سابقًا، مؤشراً على اعتقاد خاطئ بأن الأسعار سترتد حتمًا، بغض النظر عن الواقع السوقي.
يشير “جريجوري مانكيو”، أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد، إلى أن المتداولين يواجهون ضغوطًا نفسية ضخمة تشمل الخوف من الخسارة، الشك الذاتي، الجشع، والضغط الاجتماعي.
هذه الضغوط تجعلهم أحيانًا يتخذون قرارات غير عقلانية، مثل الاحتفاظ بأسهم شركاتهم أثناء الأزمات، كما حدث مع موظفي “ليمان برازر” و”إنرون”، الذين تكبدوا خسائر فادحة بسبب التمسك بالأصول رغم التحذيرات الواضحة.
وأظهرت الدراسات أن 88% من المستثمرين يقعون في مغالطة التكلفة الغارقة، بالتمسك بالمراكز الخاسرة بسبب ما دفعوه سابقًا، متجاهلين أن القرار الأمثل يجب أن يُبنى على التوقعات المستقبلية وليس على الماضي.
يؤكد “ديفيد كوهين”، مؤلف كتاب الخوف والطمع والذعر: سيكولوجيا سوق المال، أن 70% من المستثمرين يدخلون السوق بدافع الطمع للربح السريع. وعندما يقترن الطمع بـ”تأثير التصرف”، يتجاهل المستثمرون إشارات البيع العقلانية، متمسكين بأسهمهم حتى مع الخسائر، بينما يبيعون بسرعة عند تحقيق المكاسب.

ويضيف المتداول الأمريكي الشهير “جيم روجرز” أن من يسعى للربح المؤكد والتحكم الكامل في السوق قد يخسر بشكل جسيم، كما حدث معه في الستينات والسبعينات نتيجة محاولة توقع كل تحركات السوق واعتماد “الأماني” بدل الحقائق.
شهدت الأشهر الأخيرة انخفاضًا حادًا في قيمة بيتكوين من مستويات قياسية تجاوزت 124 ألف دولار إلى أقل من 90 ألف دولار.
ومع ذلك، استمر الأفراد في التمسك بالعملة، متمسكين بالأمل في عودة الأسعار للارتفاع، رغم عدم وجود دلائل واقعية على ذلك، ما يمثل تجسيدًا صارخًا لتأثير التصرف: الرهان على أمل غير مضمون بدل اتخاذ قرار عقلاني بالبيع.
لا يستطيع أي متداول الهروب تمامًا من تأثير التصرف، لكن النجاح في سوق الأسهم يعتمد على القدرة على التعلم من الأخطاء، الاعتراف بالخطأ سريعًا، والالتزام بأسلوب استثماري عقلاني بعيدًا عن الطمع والقلق.
في نهاية المطاف، الموازنة بين العقل والعاطفة هي ما يميز المستثمر المحترف عن الهواة، ويحدد مدى نجاحه في الأسواق المالية.




