الاقتصادية

سنة التحولات الكبرى في الطاقة.. بين سياسات ترامب وتقلبات الأسواق العالمية

مع دخول عام 2025، كان قطاع الطاقة العالمي على أعتاب مرحلة متشابكة بين الفرص والمخاطر، بعد موجة من التوقعات المتفائلة التي صاحبت عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى المشهد السياسي، ومع شعاره الانتخابي الشهير “Drill Baby Drill” الذي وعد بفتح أبواب جديدة للتنقيب وإلغاء القيود المفروضة على إنتاج النفط والغاز.

غير أن التفاؤل سرعان ما تلاشى وسط موجة من التغيرات غير المتوقعة التي أعادت رسم خريطة الأسواق، لتتضح قوة عامل “ترامب” في تحديد أسعار النفط واستثمارات الشركات الكبرى.

سياسات ترامب الجمركية تركت بصمة قوية على صناعة النفط الأميركية، حيث وصف مشاركون في مسح لبنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس آثارها بأنها “كارثية”، شملت رسومًا على الحديد والألمنيوم والمواد الأساسية لعمليات التنقيب.

نتيجة لذلك، لجأت شركات كبرى مثل كونوكو فيليبس وشيفرون إلى تسريح نحو 30% من موظفيها، وخفض الإنفاق الرأسمالي وسط مخاوف من هبوط أسعار النفط، لا سيما بعد إعلان أوبك بلاس زيادة الإنتاج 137 ألف برميل يوميًا بدءًا من ديسمبر، مع تجميد أي زيادات في الأشهر الثلاثة الأولى من 2026.

واستطلع بنك باركليز توقعات الإنفاق الرأسمالي في أميركا الشمالية، متوقعًا تراجعًا بنسبة 5% للعام الثالث على التوالي.

حصاد الطاقة: تقلبات 2025 تفتح أبواب عدم اليقين في 2026

من جانب آخر، أشار استطلاع حديث للاحتياطي الفيدرالي في دالاس إلى توقع الشركات هبوط أسعار خام غرب تكساس الوسيط إلى 59 دولارًا للبرميل في 2026، مقارنة بـ68 دولارًا في 2025، محذرة من أن أي انخفاض إضافي سيزيد من قيود الإنفاق الرأسمالي، فيما شهد السوق منذ يناير انخفاضًا يزيد عن 18%، ما جعل عمليات الحفر غير مربحة عند الأسعار دون 60 دولارًا للبرميل.

توقعت S&P Global Commodity Insights انخفاض إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة بنسبة 1% خلال 2026، ليصل إلى 13.33 مليون برميل يوميًا، وهو أول انخفاض منذ عشر سنوات باستثناء فترة جائحة كوفيد-19، مدفوعًا بالانخفاض الحاد في الأسعار.

ورغم الدعم الجزئي من الإنتاج البحري، يبقى القطاع تحت ضغط كبير، وسط تباطؤ مستمر في الإنفاق الرأسمالي.

أسفرت الحرب الروسية–الأوكرانية عن توقف إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا عبر أوكرانيا، ما تسبب بخسائر لموسكو تُقدر بـ6 مليارات دولار سنويًا، إضافة إلى تكبد أوكرانيا وسلوفاكيا خسائر بالمئات من الملايين.

وتصاعدت المخاطر الأمنية مع هجوم روسي على خطوط الغاز في منطقة كورسك، في محاولة لاستعادة السيطرة قبل أي مفاوضات محتملة.

وفي الهند، أثرت الضغوط الأميركية على واردات النفط الروسي التي ارتفعت إلى نحو 1.8 مليون برميل يوميًا، أي حوالي 40% من إجمالي وارداتها النفطية، مستفيدة من خصومات كبيرة. وفي المقابل، واصلت شركة ويذرفورد الأمريكية توسيع نشاطها في روسيا رغم العقوبات، مستغلة ثغرات قانونية للبقاء في السوق.

مع انسحاب أوروبا من الغاز الروسي، وقعت موسكو وبكين اتفاقًا لبناء خط أنابيب “قوة سيبيريا 2” بسعة 50 مليار متر مكعب سنويًا لمدة 30 عامًا لتعويض السوق الأوروبية.

كما عززت الصين وارداتها من النفط الكندي بعد تراجع الشحنات الأميركية بنسبة 90%، مستفيدة من توسعة خط أنابيب “ترانس ماونتن”. وأيضًا اكتشفت الصين احتياطيات هائلة من الثوريوم للطاقة النووية النظيفة، تكفي لآلاف السنين.

اعتمدت شركات كبرى مثل أرامكو وأدنوك نموذج تأجير البنية التحتية لتأمين التمويل طويل الأمد، من خلال صفقات ضخمة، أبرزها اتفاق بقيمة 11 مليار دولار مع بلاك روك لمشروع غاز الجافورة لمدة 20 عامًا.

وعلى صعيد الاتفاقيات الدولية، صادقت إسرائيل على تعديل اتفاق الغاز مع مصر بقيمة 34.67 مليار دولار لتوريد الغاز حتى عام 2040، وسط تحذيرات من نقص محتمل خلال 25 عامًا نتيجة زيادة الطلب.

برزت غايانا كلاعب رئيسي في قطاع النفط، مع خطط رفع الإنتاج البحري تدريجيًا إلى 1.7 مليون برميل يوميًا بحلول 2030. كما أعيدت فنزويلا إلى المشهد بعد السماح لشيفرون بمواصلة عملياتها، بينما تواجه المكسيك أزمة ديون متفاقمة لشركة بيميكس بلغت 125 مليار دولار.

حذر قادة صناعة النفط الأوروبيون من الاعتماد المفرط على الغاز الأميركي لتعويض الغاز الروسي، وسط مخاوف من تأثير السياسة الخارجية على سوق الطاقة.

وأثارت محاولات إعادة تشغيل خط نورد ستريم جدلاً واسعًا، بينما تدرس الحكومة الألمانية تعديل قوانين الاستثمار لحماية السوق. كما حذرت الولايات المتحدة وقطر من أن قوانين الاستدامة الأوروبية قد تؤثر على توفر الغاز الطبيعي المسال وتنافسية الاقتصاد.

مع انطلاق 2026، يواجه قطاع الطاقة العالمي مرحلة حرجة من عدم اليقين، تتقاطع فيها المخاطر الجيوسياسية مع تحديات تشغيلية ومالية وتقنية، ما يجعل من تبني استراتيجيات مرنة وسريعة الاستجابة ضرورة للبقاء ضمن معادلة النمو والاستدامة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى