الاقتصادية

دراسات تحذر من توصيات المؤثرين الماليين ومخاطر مطاردة الأرباح السريعة

في أسواق المال، لا يكفي اكتشاف فرصة استثمارية واعدة لضمان تحقيق الأرباح، إذ قد يتحول توقيت الدخول إلى عامل حاسم بين اقتناص المكاسب وتحمل الخسائر.

ومع الانتشار المتزايد للمؤثرين الماليين على مواقع التواصل الاجتماعي، بات آلاف المستثمرين يتخذون قرارات الشراء استناداً إلى توصيات تنتشر بسرعة، غير أن هذه الاستجابة الجماعية قد ترفع أسعار الأصول قبل أن يتمكن معظم المتابعين من الاستفادة منها.

وتعيد هذه الظاهرة إلى الأذهان مفارقة «أخيل والسلحفاة» التي طرحها الفيلسوف اليوناني زينون الإيلي قبل نحو 2500 عام، حين افترض أن أسرع أبطال الأساطير لن يتمكن من تجاوز سلحفاة مُنحت تقدماً في بداية السباق، لأنه سيضطر في كل مرة إلى بلوغ النقطة التي وصلت إليها قبل مواصلة المطاردة.

ورغم أن الرياضيات الحديثة قدمت تفسيراً يحسم هذه المفارقة، فإنها تكتسب دلالة مختلفة في الأسواق المالية، حيث يمكن للسعي المحموم وراء فرصة رابحة أن يجعل الوصول إليها أكثر تكلفة وأقل جدوى.

وتكشف دراسات أكاديمية أن بعض توصيات التداول، خصوصاً تلك المتعلقة بالأدوات المالية عالية المخاطر، قد تدفع المستثمرين الأفراد إلى دخول السوق بعد ارتفاع الأسعار، في حين تكون المكاسب الأولية قد تحققت بالفعل، ما يثير تساؤلات حول جدوى الاعتماد على شهرة المؤثرين وسرعة توصياتهم عند اتخاذ القرارات الاستثمارية.

سلطت دراسة أكاديمية شارك في إعدادها باحثون، من بينهم برايان روزمان، الأستاذ المشارك للتمويل بجامعة ولاية أوكلاهوما، الضوء على تأثير توصيات التداول المنشورة داخل مجموعات مدفوعة الاشتراك على منصة «ديسكورد»، بعدما حللت توصيات مرتبطة بعقود الخيارات في 15 مجموعة.

وأظهرت النتائج أن أسعار العقود الموصى بها ارتفعت في المتوسط بنحو 3 في المائة خلال الدقيقة الأولى من نشر التوصية، بالتزامن مع زيادة استثنائية في مشتريات المستثمرين الأفراد بلغت ما يعادل 14.5 انحراف معياري فوق مستوياتها المعتادة.

Understanding Social Media Influencer Income for Valuation | CBIZ

غير أن هذا الارتفاع لم يستمر طويلاً في معظم الحالات، إذ تلاشت آثاره عادة خلال ساعتين، بينما أصبحت عوائد المشتركين سالبة بعد احتساب تكاليف التداول، حتى بالنسبة إلى المستثمرين الذين نفذوا التوصيات بعد ثوانٍ قليلة من نشرها.

وتتضاعف المخاطر بسبب طبيعة عقود الخيارات المعنية، التي لا تتجاوز مدة صلاحيتها ثلاثة أيام في المتوسط، مع رافعة مالية ضمنية تقارب 30 مرة.

وتؤدي هذه الخصائص إلى زيادة حساسية قيمة العقود لتحركات السوق، ما يجعل الأرباح والخسائر المحتملة أكثر تقلباً خلال فترات زمنية قصيرة.

تتضح آلية هذه الظاهرة من خلال مثال افتراضي؛ فإذا اشترى متداول عقد خيار مقابل 100 دولار، ثم أوصى آلاف المتابعين بشرائه، فقد يؤدي تدفق الطلبات إلى ارتفاع سعره إلى 103 دولارات خلال دقيقة واحدة.

وعندما يصل المتابعون إلى السوق، يجدون أنفسهم أمام سعر أعلى من السعر الذي كان متاحاً قبل انتشار التوصية، بينما يكون المستثمر الذي اشترى في وقت مبكر قد استفاد من الزيادة الأولية.

وإذا تراجع السعر لاحقاً، فقد يتكبد المشترون المتأخرون خسائر، خصوصاً إذا تعلق الأمر بعقود قصيرة الأجل تقترب من انتهاء صلاحيتها.

Q2 2026 Earnings Preview: Navigating High Expectations, Tariff Rebates, War  Uncertainties | Seeking Alpha

ولا تتوقف المخاطر عند فرق السعر، إذ يمكن للرافعة المالية أن تضخم أثر التحركات المحدودة في الأصل الأساسي على قيمة الاستثمار، ما يرفع احتمال خسارة جزء كبير من الأموال أو كامل المبلغ المستثمر، بحسب طبيعة العقد وشروطه.

وبذلك، قد تتحول التوصية التي يُفترض أن تساعد المتابع على اكتشاف فرصة استثمارية إلى عامل يرفع تكلفة الدخول ويقلص هامش الربح المتاح، خاصة عندما يتعامل معها الجمهور باعتبارها إشارة مؤكدة للشراء، من دون تقييم مستقل للسعر والمخاطر.

لم تقتصر الأبحاث على مجموعات التداول المدفوعة، بل امتدت إلى توصيات المؤثرين المنشورة عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث ظهرت مؤشرات على أن بعض التوصيات تصل إلى الجمهور بعد أن تكون الأصول المعنية قد حققت بالفعل ارتفاعات ملحوظة.

وفي مارس 2025، أظهرت دراسة لجامعة أوتريخت الهولندية، شملت 453 توصية قدمها 21 مؤثراً مالياً، أن التوصيات تميل إلى التركيز على أسهم وعملات مشفرة سجلت مكاسب قوية في وقت سابق.

كما اتسم أداء هذه الأصول بالسلبية في الغالب بعد نشر التوصيات، وهو ما يشير إلى احتمال دخول بعض المستثمرين بعد انقضاء جزء مهم من مرحلة الصعود.

وفي غشت 2026، توصلت دراسة نشرتها دورية «Finance Research Letters»، بعد تحليل 1056 توصية صادرة عن 44 مؤثراً عبر منصة «إنستغرام»، إلى نتائج تشير إلى تحقيق مكاسب نسبية محدودة على المدى القصير، مقابل أداء أقل من مؤشرات السوق على المدى الطويل.

ولم تجد الدراسة أن عدد المتابعين أو كثافة المنشورات أو عمر الحساب تشكل مؤشرات موثوقة على جودة التوصيات، ما يضعف الاعتقاد بأن الانتشار الواسع والحضور المستمر على المنصات يعكسان بالضرورة خبرة استثمارية متقدمة.

وتكتسب هذه النتائج أهمية في ظل تنامي اعتماد الشباب على المحتوى المالي الرقمي. ووفق مسح أجرته مؤسسة «فينرا» الأمريكية، فإن 61 في المائة من المستثمرين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً يستعينون أحياناً أو بشكل متكرر بتوصيات المؤثرين عند اتخاذ قراراتهم الاستثمارية.

لا تعني هذه النتائج أن جميع المؤثرين الماليين يقدمون توصيات مضللة، أو أن المحتوى الذي ينشرونه يفتقر إلى القيمة، لكنها تسلط الضوء على ضرورة التمييز بين التحليل المالي القائم على المعطيات والتوصيات التي تشجع على تنفيذ صفقات سريعة.

فالمؤثر المالي قد يحقق دخلاً من الاشتراكات المدفوعة أو الإعلانات أو المشاهدات، وقد يمتلك في بعض الحالات الأصول التي يدعو متابعيه إلى شرائها. وفي حال غياب الشفافية بشأن هذه المصالح، قد تنشأ فجوة بين دوافع مقدم التوصية والمخاطر التي يتحملها المستثمرون الذين يستجيبون لها.

وفي المقابل، يظل المتابع مسؤولاً عن تكاليف التداول ومخاطر تقلب الأسعار واحتمال تنفيذ الصفقة بعد ارتفاع قيمتها، من دون ضمان تحقيق العائد الذي رُوّج له. لذلك، فإن تقييم أي توصية يستلزم النظر في طبيعة الأصل المالي، وسعره الحالي، والأفق الزمني للاستثمار، ومدى قدرة المستثمر على تحمل الخسائر.

كما أن التحقق من المصالح المحتملة لمقدم التوصية، وفهم آليات الأدوات المالية المستخدمة، يمثلان عنصرين أساسيين قبل اتخاذ قرار الشراء، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بعقود الخيارات والأصول شديدة التقلب.

تتجلى مفارقة أخيل والسلحفاة في الأسواق المالية عندما يسهم اندفاع المستثمرين نحو توصية واحدة في تغيير السعر الذي كانت تقوم عليه جاذبية الفرصة أساساً. فكلما زاد عدد المشترين الذين يستجيبون في الوقت نفسه، ارتفع احتمال دخول المتأخرين بشروط أقل ملاءمة، وتراجعت قدرتهم على تحقيق العائد المتوقع.

لكن الفارق بين المفارقة الفلسفية والواقع المالي أن خسائر المستثمرين ليست مجرد إشكال نظري، بل نتيجة محتملة لقرارات تتأثر بالتوقيت والرسوم والرافعة المالية وتقلبات السوق.

وفي نهاية المطاف، لا يرتبط النجاح الاستثماري بسرعة الاستجابة للتوصيات أو بعدد متابعي صاحبها، بقدر ما يعتمد على القدرة على تحليل المعطيات بصورة مستقلة، وفهم المخاطر، وتحديد ما إذا كان السعر المتاح لا يزال يبرر الدخول في الصفقة.

ففي سوق تتغير فيها الأسعار خلال ثوانٍ، قد لا تكون مطاردة الفرصة التي يتحدث عنها الجميع طريقاً إلى الأرباح، بل قد تكون السبب في الوصول إليها بعدما فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها الاستثمارية.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى