دافوس تحت المجهر.. المليارديرات بين الإنقاذ والهيمنة الاقتصادية

في قلب جبال الألب السويسرية، حيث تتلألأ قمم منتجعات دافوس البيضاء، يجتمع كل عام كبار المليارديرات وقادة الشركات العالمية في ما يُعرف بالمنتدى الاقتصادي العالمي. على السطح، تبدو هذه اللقاءات وكأنها منصة لإنقاذ الاقتصاد العالمي، وتعزيز التعاون والابتكار.
لكن كتاب “رجل دافوس.. كيف التهم المليارديرات العالم” للصحفي الاقتصادي بيتر إس. غودمان يطرح تساؤلاً أكثر جرأة: ماذا لو أن هؤلاء الذين يدّعون إصلاح العالم هم أنفسهم جزء من المشكلة؟
صدر الكتاب عام 2022، ويحلل غودمان ظاهرة يسميها «رجل دافوس» لتسليط الضوء على نخبة من المليارديرات الذين يعيدون رسم خريطة الاقتصاد الدولي لصالحهم، بينما تتسع الفجوة الاقتصادية بين الأغنياء وبقية المجتمع.
ويستعرض العمل وجوهاً معروفة في عالم المال مثل جيف بيزوس مؤسس أمازون، وجيمي دايمون رئيس بنك “جيه بي مورغان”، ومارك بينيوف رئيس “سيلزفورس”، إضافة إلى لاري فينك رئيس “بلاك روك” وستيف شفارتسمان مؤسس “بلاكستون”. ويؤكد الكاتب أن هذه النجاحات الفردية ما هي إلا انعكاس لتحول أوسع في النظام الاقتصادي العالمي.
يشير غودمان إلى مفارقة جائحة “كوفيد-19”: في الوقت الذي فقد فيه ملايين العمال وظائفهم أو اضطروا للعودة إلى أعمال منخفضة الأجر، شهدت ثروات المليارديرات ارتفاعاً غير مسبوق، مدفوعاً بارتفاع أسواق الأسهم وتوسع الاقتصاد الرقمي.

ويرى الكاتب أن هذه الزيادة ليست مجرد صدفة، بل نتيجة سياسات اقتصادية صممت لتمكين النخب من تعظيم أرباحها وتقليل التزاماتها الضريبية، بل والمساهمة في صياغة قواعد الاقتصاد ذاته.
مصطلح «رجل دافوس» يعكس نخبة عابرة للحدود، تجمع بين رأس المال والنفوذ السياسي. ويبرز الكتاب كيف بنت هذه النخبة ثرواتها عبر استراتيجيات متعددة تشمل إدارة صناديق استثمار ضخمة، وشراء أصول عقارية كبرى، وخصخصة الخدمات العامة مثل الرعاية الصحية، إضافة إلى إدارة صناديق التقاعد والجامعات.
ويؤكد غودمان أن نفوذ هذه النخبة لا يقتصر على حجم ثرواتهم، بل يتعداه إلى التأثير في السياسات العامة عبر جماعات الضغط والتمويل السياسي وتشكيل الخطاب الاقتصادي السائد.
يقدم العديد من المليارديرات أنفسهم كفاعلين خير يسعون لتحسين العالم، مستفيدين من التبرعات والمؤسسات الخيرية لتعزيز صورتهم. لكن غودمان يحذر من أن هذه المبادرات قد تخفي تأثيراً اقتصادياً أوسع، حيث تستمر الشركات في استغلال الثغرات الضريبية لتقليل مساهمتها في الإيرادات العامة، مما يؤدي إلى تقليص الموارد المخصصة للخدمات العامة مثل التعليم والصحة والبنية التحتية.
ينبع عدم المساواة العالمي من عاملين رئيسيين: التهرب الضريبي للشركات عبر استغلال الثغرات القانونية، وضعف تطبيق قوانين مكافحة الاحتكار، مما يمكّن الشركات العملاقة من السيطرة على الأسواق وإعاقة المنافسة.
يخصص الكتاب مساحة واسعة لعرض العلاقة الوثيقة بين المال والسياسة، حيث تسعى الشركات الكبرى للتأثير على القوانين من خلال تمويل الحملات الانتخابية وممارسة الضغط على الحكومات، ما يمنحها سياسات مواتية مثل تخفيض الضرائب وتخفيف القيود التنظيمية.
ويستشهد غودمان بفترة إدارة دونالد ترامب كمثال على كيفية استفادة النخب الاقتصادية من السياسات الحكومية لتعظيم أرباحها.
لا يقتصر تأثير هذه النخبة على الولايات المتحدة، بل يمتد إلى دول ديمقراطية أخرى مثل فرنسا وإيطاليا وبريطانيا والسويد، حيث تتكرر أنماط مماثلة من النفوذ الاقتصادي والسياسي وتنامٍ في التفاوت الاجتماعي، ما يسهم في ظهور التوترات الاجتماعية وصعود الحركات الشعبوية أو السلطوية.
يتناول الكتاب مفهوم “الرأسمالية لأصحاب المصلحة”، الذي يروج له بعض قادة الأعمال كنموذج أكثر مسؤولية اجتماعياً، مثل مارك بينيوف الذي يدعو لدور أكبر للشركات في معالجة القضايا الاجتماعية. لكن غودمان يشكك في هذه المبادرات، معتبراً أنها محاولة لتجميل صورة النظام الاقتصادي دون معالجة جذوره العميقة.
يقترح الكتاب ثلاثة مسارات لتخفيف التفاوت الاقتصادي:
إصلاح الأنظمة الضريبية وفرض ضرائب أعلى على الشركات والأرباح والثروات الكبيرة.
تشديد تطبيق قوانين مكافحة الاحتكار لمنع سيطرة الشركات العملاقة على الأسواق.
إصلاح تمويل الحملات الانتخابية لتقليل اعتماد السياسيين على التبرعات الضخمة من النخب الاقتصادية.
لا يقدم الكتاب إجابات نهائية حول عدم المساواة العالمية، لكنه يثير أسئلة أساسية حول العلاقة بين رأس المال والديمقراطية، وحدود القوة التي يجب أن تمتلكها الشركات الكبرى.
وبينما يزداد الجدل حول مستقبل الرأسمالية والفجوات الاجتماعية، يظل العمل دعوة لإعادة التفكير في قواعد اللعبة الاقتصادية ودور النخب المالية في تشكيل مستقبل العالم.




