دافوس 2026: الهيمنة الأمريكية تعيد رسم ملامح النظام الدولي

مع افتتاح المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس لعام 2026، بدا واضحًا أن العالم على أعتاب مرحلة جديدة من عدم اليقين. القواعد التي حكمت التجارة والسياسة الدولية لعقود أصبحت بلا تأثير، وتحولت المنافسة بين القوى الكبرى، لا سيما الولايات المتحدة والصين، من صراع تقني إلى سياسة علنية تعتمد على الإكراه وتهديد التعريفات الجمركية، ما يضع الحلفاء والخصوم على حد سواء أمام تحديات غير مسبوقة.
وسط هذا المناخ المتوتر، استعرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سلطته بشكل علني، إذ نشر مؤخرًا صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لنفسه وهو يرفع العلم الأمريكي على جزيرة جرينلاند، مع لافتة كتب عليها “جرينلاند – أرض أمريكية تأسست عام 2026”.
وفي الوقت نفسه، تبادل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والأمين العام لحلف الناتو، ينس مارك روته، رسائل نصية تهدف إلى التهدئة والبحث عن حلول للأزمة، بينما أكد ترامب في منشور على منصة “تروث سوشيال” أن ضم الجزيرة أمر حيوي للأمن القومي والدولي، مؤكدًا أن “لا رجعة إلى الوراء”.
خلال الأيام الأخيرة، اتسم خطاب ترامب بحدة غير مسبوقة. فقد توقع مغادرة ماكرون لمنصبه، وهدد بفرض تعريفات جمركية جديدة، وسخر من بريطانيا بشأن تنازلها عن سيادتها على جزر تشاغوس لمصلحة موريشيوس. تصريحات ترامب لم تعد مجرد استفزازات، بل تحولت إلى إعلان رسمي للهيمنة الأمريكية، ما أثار مخاوف دولية واسعة.

تقرير صادر عن مؤسسة “FGS Global”، اعتمد على 175 مقابلة مع قادة عالميين وخبراء سياسة واستطلاع شامل، كشف أن النظام الدولي الحالي أصبح معادياً لإعادة التشكيل بسبب انهيار التوافق متعدد الأطراف وصعود القيادة الاستبدادية على حساب المؤسسات الدولية.
وأكد 69% من المشاركين أن تأثير القادة الأقوياء يفوق تأثير المؤسسات الدولية، فيما توقع 73% صعوبات أكبر للأجيال القادمة، و74% اعتبروا أن النظام السياسي يخدم مصالح النخبة الثرية أكثر من مصالح الشعوب.
هيمنت تهديدات ترامب الأخيرة بفرض تعريفات جمركية على الحلفاء الأوروبيين على أجواء المنتدى، مما أدى إلى تحويل النقاش بعيدًا عن قضايا الذكاء الاصطناعي والنمو الاقتصادي وتغير المناخ، نحو مواجهة قد تهدد استقرار حلف الناتو والنظام الدولي ككل.
على الجانب الآخر، تبنى قادة أوروبا لهجة حذرة لكنها حازمة، إذ شدد ماكرون على سيادة القانون مقابل القوة الفجّة، بينما أكدت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، ضرورة تعزيز العلاقات التجارية مع شركاء خارج الولايات المتحدة، والتخلي عن الحذر التقليدي في عالم تتزايد فيه الفوضى.
على مدار خمسة أيام، استقطب المنتدى عشرات الآلاف من المشاركين، بمن فيهم رؤساء دول ومسؤولون من قطاع الأعمال والمجتمع المدني، رغم تحديات لوجستية شملت نقص أماكن الإقامة وارتفاع تكاليف الأمن.
ومع ذلك، بقي شعار “روح الحوار” حاضرًا في فعاليات الدورة الحالية، رغم التوتر السياسي المتصاعد.
تظل الأنظار متجهة إلى خطاب ترامب المرتقب، المتوقع أن يؤكد الهيمنة الأمريكية ويستعرض “النجاحات الهائلة” التي حققتها الولايات المتحدة منذ عودته للبيت الأبيض.
ومع تصاعد حدّة خطاباته منذ العملية العسكرية في فنزويلا، يبدو الرئيس الأمريكي غير مستعد للتنازل عن طموحاته في ضم الجزيرة القطبية، معيدًا رسم أجندة القوة القسرية على الخريطة الدولية، ويضع العالم أمام واقع جديد يسوده عدم اليقين والتحولات العميقة في النظام الدولي.




