خبراء في جيتكس إفريقيا يكشفون ضعف التكامل الرقمي القاري بتبادلات لا تتجاوز 5 في المائة

كشفت نقاشات رفيعة المستوى جرت على هامش فعاليات “جيتكس إفريقيا 2026” المنعقدة بمدينة مراكش، عن معطى لافت يعكس حجم التحديات التي تواجه التكامل الرقمي في القارة الإفريقية، حيث لا تتجاوز نسبة تبادل الخدمات الرقمية بين دول إفريقيا 5% فقط، مقابل توجيه الجزء الأكبر من هذه التدفقات نحو أسواق أوروبا وأمريكا الشمالية.
وخلال جلسة حملت عنوان “من مواءمة السياسات إلى أسواق قابلة للاستثمار”، أجمع متدخلون من خبراء ومسؤولين على أن التباين الكبير في الأطر القانونية والتنظيمية بين الدول الإفريقية يشكل العائق الأبرز أمام تطور التجارة الرقمية البينية، رغم تسجيل صادرات رقمية إفريقية بلغت نحو 41 مليار دولار سنة 2024، وهو ما يمثل أقل من 1% من الحجم العالمي.
وفي هذا السياق، أكدت مديرة الجلسة ماتيلد أسو شارون أن الشركات الرقمية الإفريقية تميل إلى توجيه خدماتها خارج القارة بدل التركيز على السوق الداخلية، مشيرة إلى أن “التجارة الرقمية الإفريقية البينية ما تزال ضعيفة إلى حد كبير”، الأمر الذي يحد من إمكانات النمو الداخلي ويُبقي القارة في موقع مستهلك أكثر منه منتجاً رقمياً.
من جانبه، أوضح ماكتار سيك، ممثل اللجنة الاقتصادية للأمم المتحدة لإفريقيا، أن التكتلات الاقتصادية الإقليمية مطالبة بلعب دور محوري في توحيد الإطار القانوني المنظم للمعاملات الرقمية، بما يسمح للشركات بالانتقال والتوسع بين الدول دون عوائق تنظيمية معقدة.
ودعا سيك إلى ضرورة توحيد التشريعات المرتبطة بحماية البيانات وتدفقات المعلومات، واعتماد معايير مشتركة في الأمن السيبراني، محذراً في الوقت نفسه من الكلفة الاقتصادية المتزايدة للجرائم الإلكترونية، التي قال إنها تستنزف ما يقارب 10% من الناتج الداخلي الخام لإفريقيا، وهو ما يشكل نزيفاً مالياً يمكن أن يُوجه نحو قطاعات حيوية كالصحة والتعليم.
كما توقف المتحدث عند إشكالية أنظمة الدفع العابرة للحدود، معتبراً أنها تمثل شرطاً أساسياً لنهضة التكنولوجيا المالية في القارة، في ظل غياب منظومة موحدة تتيح معاملات سلسة بين الدول الإفريقية، ما يحد من دينامية السوق الرقمية.
وفي ما يتعلق بالبنية التحتية الرقمية، أشار سيك إلى أن إفريقيا لا تستحوذ سوى على 1% من مراكز البيانات عالمياً، داعياً إلى تطوير شراكات إقليمية لتقاسم هذه البنية الاستراتيجية، خاصة بين الدول التي تعاني من ضعف الإمكانيات التقنية والمالية.
في المقابل، قدم ألفا أمادو ديا رؤية مختلفة ترتكز على مقاربة تدريجية، تقوم على مبدأ الاعتراف المتبادل بين الأنظمة بدل انتظار توحيد شامل قد يستغرق سنوات طويلة، معتبراً أن هذا النهج من شأنه تسهيل حركة الشركات الناشئة داخل القارة وتسريع وتيرة الاستثمار.
وشدد ديا على أهمية وضوح القواعد التنظيمية أمام المستثمرين، خاصة ما يتعلق بالضرائب والتسجيل والامتثال، مستشهداً بتجربة السنغال التي دخل فيها قانون الشركات الناشئة حيز التنفيذ الكامل في نونبر 2025، والذي يوفر حزمة تحفيزات تشمل إعفاءات ضريبية ودعماً مالياً قد يصل إلى 3 ملايين دولار، إلى جانب تبسيط الإجراءات عبر منصة رقمية موحدة.
وتهدف السنغال، وفق المعطيات المقدمة خلال الجلسة، إلى دعم أكثر من 500 شركة ناشئة وخلق ما يصل إلى 150 ألف فرصة عمل مباشرة بحلول سنة 2034، في إطار نموذج يسعى إلى تقليص العراقيل الإدارية وتعزيز نمو الاقتصاد الرقمي.
وعلى المستوى القاري، رُبط تقدم منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية بعدة أوراش موازية، من بينها استراتيجية الذكاء الاصطناعي للاتحاد الإفريقي، وتعزيز أنظمة حماية البيانات، إضافة إلى مشروع طموح يهدف إلى تمكين 99% من سكان القارة من هوية رقمية بحلول عام 2030.
كما نُبه خلال النقاش إلى التحديات المرتبطة بتدبير الطيف الترددي، في ظل اختلاف استخدامات الترددات بين الدول الإفريقية، ما يؤدي إلى ارتفاع التكاليف التشغيلية ويؤثر على كفاءة السوق الرقمية.
وفي ختام الجلسة، أجمع المشاركون على أن الرأسمال البشري، خصوصاً فئة الشباب، يمثل المحرك الأساسي لأي تحول رقمي قاري، داعين إلى الاستثمار في المهارات الرقمية ودعم الابتكار، مع التأكيد على ضرورة بلورة رؤية إفريقية موحدة تضمن عدم تهميش القارة في سباق التحول التكنولوجي العالمي.
وتأتي هذه النقاشات ضمن التوجه العام لنسخة هذه السنة من “جيتكس إفريقيا”، والذي يركز على تحويل الإطار التنظيمي والسياسي إلى فرص استثمارية ملموسة داخل قارة تضم 54 دولة و54 منظومة قانونية مختلفة، في أفق تحقيق أهداف أجندة 2063 الرامية إلى تعزيز موقع إفريقيا كفاعل اقتصادي عالمي بحلول منتصف القرن.



