الاقتصادية

جيل “ألفا” بين الشاشات والإدمان.. تحديات الرقابة الرقمية للأطفال

في عصر يسيطر فيه العالم الرقمي على حياة الصغار، لا يحتاج الطفل أحيانًا سوى شاشة صغيرة لتجعل منه أسيرًا لساعات طويلة. في أحد المطاعم، يتسمّر طفل لم يتجاوز السابعة أمام الآيباد، غير مبالٍ بضجيج المكان وروائح الطعام المتنوعة، مستغرقًا في مقاطع الفيديو القصيرة التي تجذب انتباهه بلا توقف.

وعندما يحاول والديه سحب الجهاز، يتحول المشهد إلى صراخ وبكاء، كأن الطفل فقد جزءًا من واقعه.

هذا المشهد لم يعد فرديًا، بل أصبح نموذجًا متكررًا بين أطفال جيل “ألفا” حول العالم، الذين باتوا رهائن لخوارزميات رقمية صُممت لإبقائهم متصلين بالشاشات لساعات طويلة. السؤال الذي يطرحه خبراء الطفولة: هل يمثل الحظر الشامل لمنصات التواصل الاجتماعي الحل الأمثل؟

ظاهرة “أطفال الآيباد” تصف جيلًا من الأطفال المولودين ابتداءً من 2010، الذين يجدون سعادتهم في الاتصال المستمر بالأجهزة الرقمية. ومع انشغال الأهل لأوقات طويلة، يقضي الأطفال ساعات في عزلة أمام الشاشات، ما يجعلهم منفصلين عن العالم الواقعي من حولهم.

تشير الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال إلى أن الأطفال والمراهقين بين 8 و18 عامًا يقضون ما معدله 7.5 ساعة يوميًا أمام الشاشات، بينما توصي الأكاديمية بعدم تجاوز ساعتين يوميًا، مع ضرورة مراقبة المحتوى الرقمي.

الإفراط في استخدام الشاشات يؤثر على نمو اللغة، يزيد مشاعر الاكتئاب، ويؤدي إلى اضطرابات النوم. كما أن متابعة مقاطع الفيديو القصيرة ترتبط بتراجع القدرات الإدراكية وتدهور الصحة النفسية، ليس فقط للأطفال، بل لجميع الفئات العمرية.

حتى كبار رواد التكنولوجيا في وادي السيليكون يخشون تأثير منتجاتهم على أبنائهم. من بينهم بيتر ثيل المستثمر في فيسبوك، وإيفان شبيغل مدير سناب شات، وستيف تشين المؤسس المشارك ليوتيوب، الذين يحاولون الحد من وصول أطفالهم إلى المحتوى الرقمي القصير للحفاظ على التركيز والوقت الواقعي.

في 2025، كانت أستراليا أول دولة تحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عامًا، بنسبة تأييد شعبي بلغت 77%، تلتها ماليزيا. وفي الوقت نفسه، تدرس فرنسا وألمانيا وبريطانيا والدنمارك فرض قيود مماثلة.

الحظر الشامل يبدو حلاً مؤقتًا، إذ يمكن للمراهقين التحايل على القيود، كما أن منصات التواصل توفر فرصًا للتعلم واكتساب المعلومات، وتخفف شعور الأطفال بالعزلة، خاصة في المناطق النائية أو للأطفال المختلفين عن أقرانهم.

يشدد الخبراء على أن الحل الفعال يكمن في فرض رقابة صارمة على المحتوى، إعادة تصميم الخوارزميات للحد من الإدمان، وإجبار الشركات على تقديم بيانات الاستخدام لمساعدة الباحثين في تقييم الأضرار، بما يضمن حماية الأطفال دون حرمانهم من فوائد العالم الرقمي.

في الولايات المتحدة، رفعت دعاوى ضد منصات التواصل الاجتماعي بتهمة تعزيز سلوكيات إدمانية ضارة، وفي حال نجاحها، قد تضطر الشركات لدفع مليارات الدولارات وتعزيز معايير العمل داخل منصاتها.

العالم الرقمي أصبح جزءًا لا يتجزأ من حياة الأطفال، والحظر وحده لا يوفر الحل. الطريق الأمثل يكمن في وضع حدود واضحة، مراقبة استخدام الأطفال، وإصلاح ما أفسدته الخوارزميات، لضمان نمو جيل “ألفا” بطريقة صحية، قادرة على الاستفادة من التكنولوجيا دون أن تصبح أسيرًا لها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى