تقرير : المغرب يودع ‘الاكتفاء التقليدي’ ويؤسس لمنظومة ‘الصمود الغذائي الاستراتيجي’

لم يعد مفهوم “الأمن الغذائي” في المغرب مجرد أرقام تتعلق بإنتاج القمح أو أطنان السكر، بل تحول إلى معركة استراتيجية كبرى تتقاطع فيها ندرة المياه الصارمة مع تقلبات الجغرافيا السياسية العالمية.
هذا ما كشف عنه تقرير حديث لمنصة “إس بي آي أونلاين” (SPI Online) الإيطالية، مؤكداً أن المملكة تقف اليوم عند “مفترق طرق” يحتم عليها إعادة صياغة عقدها الاجتماعي والزراعي.
تاريخياً، ارتبط الاستقرار السياسي في المغرب بقدرة الحكومات المتعاقبة على ضمان “السيادة الغذائية” في المواد الأساسية (الحبوب، الزيوت، اللحوم).
لكن التقرير يرى أن هذا النهج التقليدي يصطدم اليوم بحائط مسدود؛ فالسؤال لم يعد “كيف ننتج أكثر؟” بل “كيف نبني نظاماً يصمد أمام الصدمات؟”.
بينما يشغل القطاع الفلاحي ثلث اليد العاملة الوطنية ويوفر سبل العيش لـ 61% من سكان القرى، تظل مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي (حوالي 10%) رهينة “رحمة السماء”. فقد سجلت القيمة المضافة الفلاحية تراجعاً بنسبة 4.8% في عام 2024، مما يعكس هشاشة النموذج الحالي أمام التغير المناخي.
تضع الأرقام المائية المغرب في منطقة الخطر؛ فقد هوت حصة الفرد من الموارد المائية من 2500 متر مكعب في الستينات إلى 620 متراً مكعباً فقط اليوم. ورغم الاستثمارات الضخمة في السدود ومخطط “المغرب الأخضر”، يشير التقرير إلى ثغرة تنظيمية خطيرة:
التركيز على العرض: التوسع في المساحات المسقية دون ضبط حازم للطلب.
نزيف المياه الجوفية: غياب الرقابة الصارمة على استخراج المياه.
المفارقة التقنية: يوضح التقرير أن تقنيات “الري بالتنقيط” أدت لنتائج عكسية، فبدلاً من توفير الماء، شجعت الكفاءة العالية على توسيع الإنتاج، مما رفع إجمالي الاستهلاك (ما يعرف اقتصادياً بـ مفارقة جيفونز).
على جبهة الأرقام، يبدو التوتر البنيوي واضحاً. فبينما يفتخر المغرب بصادرات فلاحية بلغت 87 مليار درهم في 2024 (مدفوعة بالمحاصيل المسقية)، فإنه يظل “أسيراً” لاستيراد الحبوب التي كلفت ميزانيته مبالغ طائلة، حيث استورد أكثر من 5.8 ملايين طن في النصف الأول من 2025 وحده.
هذا التباين يضع “حدوداً” واضحة لنموذج الاكتفاء الذاتي؛ فالحبوب تشغل ثلثي الأراضي المزروعة لكنها الأقل مردودية مائياً واقتصادياً، بينما تتراجع نسبة الاكتفاء من القمح من 80% في السبعينات إلى نحو 60% حالياً مع تقلبات حادة.
لا تقتصر الأزمة على المناخ، بل تمتد لتشمل العدالة التوزيعية؛ حيث يسيطر كبار المنتجين على الحصة الأكبر من الموارد، في حين أن 70% من الضيعات الفلاحية هي ملكيات صغيرة (أقل من 5 هكتارات) لا تملك سوى ربع المساحة الزراعية الإجمالية.
هؤلاء الصغار هم الحلقة الأضعف في مواجهة الجفاف وارتفاع تكاليف المدخلات.
يواجه المغرب تحدياً وجودياً يتطلب الانتقال من “الزراعة الإنتاجية” إلى “السيادة الغذائية الذكية” التي توازن بين التصدير وتأمين لقمة عيش المواطن، في ظل واقع مائي لا يقبل المجاملة.



