الاقتصادية

بين السوق الحر وتدخل الدولة: رحلة الفكر الاقتصادي من سميث إلى كينز

الاقتصاد ليس مجرد أرقام وأسواق، بل هو دراسة لكيفية إنتاج الثروة وتوزيعها داخل المجتمع. ومنذ بداياته، واجه المفكرون سؤالًا جوهريًا: هل يترك الاقتصاد نفسه لقوى السوق الطبيعية، أم يجب على الدولة التدخل لتوجيهه وتحقيق التوازن؟

هذا السؤال شكل محور أفكار اثنين من أبرز رواد الاقتصاد الحديث: آدم سميث وجون ماينارد كينز. وبين مناصر للسوق الحر ومؤيد لتدخل الدولة، تستمر رؤيتاهما في التأثير على السياسات الاقتصادية حتى اليوم.

وُلد آدم سميث (1723 – 1790) في عصر التنوير الأسكتلندي، وسط بيئة فكرية مزدهرة شهدت بروز مفكرين مثل ديفيد هيوم وجيمس هاتون وجوزيف بلاك.

التحق بجامعة غلاسكو في سن الرابعة عشرة، قبل أن يواصل تعليمه في أكسفورد، حيث درس الأدب العالمي لكنه انتقد أساتذته لضعف المستوى التعليمي. عمل لاحقًا محاضرًا في جامعة إدنبرة، ثم عاد لتولي مناصب أكاديمية في جامعة غلاسكو.

خلال رحلاته إلى أوروبا، التقى سميث بفلاسفة كبار مثل فولتير وروسو، ما أثرى أفكاره. وعقب ذلك، كرّس نفسه لكتابة «ثروة الأمم» (1776)، ليضع أسس الاقتصاد الكلاسيكي ويقدّم نموذجًا للسوق الحر، يعتمد على مفهومي تقسيم العمل واليد الخفية، حيث يسعى الأفراد وراء مصالحهم الشخصية، فينتج عن ذلك منفعة عامة غير مقصودة.

وُلد جون ماينارد كينز (1883 – 1946) في إنجلترا، في بيئة نخبوية فكرية، فوالده أستاذ اقتصاد ووالدته شخصية عامة بارزة. درس الرياضيات في جامعة كامبريدج، وانضم إلى جمعية الرسل السرية التي جمعت نخبة من المفكرين.

Economic Development Models and Capitalism – CESRAN International

بعد الحرب العالمية الأولى، نشر كينز كتابه «الآثار الاقتصادية للسلام» محذرًا من تداعيات الشروط القاسية المفروضة على ألمانيا. ومع الكساد العظيم، رفض كينز الاقتصاد الكلاسيكي القائم على عدم تدخل الدولة، وبلور أفكاره في كتابه «النظرية العامة للتوظيف والفائدة والنقود» (1936)، داعيًا إلى تدخل الدولة عبر السياسات المالية والنقدية لضمان الاستقرار الاقتصادي والتوظيف.

بينما رأى سميث أن السوق الحر قادر على تحقيق المنافع العامة من خلال سعي الأفراد وراء مصالحهم، اعتبر كينز أن هذه «اليد الخفية» غير كافية في مواجهة أزمات كبرى. وفق كينز، يجب أن تلعب الدولة دورًا فاعلًا لضمان فرص العمل وتحقيق التوازن الاقتصادي.

منذ الكساد العظيم وبرامج الصفقة الجديدة للرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، أصبحت النظرية الكينزية جزءًا لا يتجزأ من السياسة الاقتصادية الأمريكية. وحتى اليوم، ما زال النقاش محتدمًا بين مؤيدي السوق الحر الكامل وأولئك الذين يرون أن الدولة لا غنى عنها لضبط الاقتصاد وحماية المجتمع.

في نهاية المطاف، يظل الصراع بين سميث وكينز أكثر من مجرد جدل تاريخي؛ إنه نقاش مستمر حول دور الدولة والسوق في إدارة الثروة وبناء مجتمعات عادلة ومستقرة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى