بين الخيال والواقع.. الذكاء الاصطناعي يحوّل الترفيه الافتراضي إلى مأساة حقيقية

ما كان يُفترض أن يكون مجرد ترفيه افتراضي، انتهى بمأساة صادمة في ولاية فلوريدا، حيث فقد شاب يبلغ من العمر 35 عامًا يُدعى “ألكسندر” حياته أمام منزله إثر حادث دموي مرتبط بتطبيق دردشة مدعوم بالذكاء الاصطناعي.
الشاب قضى ساعات طويلة في التفاعل مع روبوت الدردشة الذي تخيله في صورة فتاة تُدعى “جولييت”، قبل أن يقتنع بأنها اختفت بسبب التطبيق، ما أدخله في حالة من الحزن والغضب الشديد.
وعندما حاول والده تهدئته وتذكيره بأن “جولييت” شخصية افتراضية لا وجود لها في الواقع، تصاعد التوتر وتحول إلى اعتداء جسدي، ما اضطر الشرطة للتدخل، وأدى إطلاق النار على “ألكسندر” لإنهاء التهديد، لتنتهي حياته بشكل مأساوي أمام المنزل.
وفي حادثة رمزية أخرى، شهدت سان فرانسيسكو جنازة افتراضية لـ”كلود 3″، روبوت دردشة آخر، بعد إعلان شركة “أنثروبيك” إيقاف الإصدار القديم للنموذج، في مشهد يجمع بين الحزن والسخرية، ويبرز التأثير النفسي الغريب لهذه التكنولوجيا على البشر.

الأطباء النفسيون بدأوا يلاحظون نمطًا جديدًا في استخدام روبوتات الدردشة: أشخاص يقضون ساعات يوميًا في التفاعل مع هذه النماذج، ما يؤدي أحيانًا إلى أفكار غير واقعية، انفصال عن الواقع، أو أوهام شبيهة بالذهان.
ويُطلق على هذه الحالة مصطلح “ذهان الذكاء الاصطناعي”، الذي يركز على تضخيم الأفكار والأوهام، دون أن يكون ذهانًا تقليديًا.
وأوضح الطبيب النفسي “كيث ساكاتا” من جامعة كاليفورنيا أنه تعامل مع أكثر من عشر حالات تفاقمت أعراضها النفسية بسبب التفاعل مع برامج الدردشة، مؤكدًا أن المشكلة تكمن في التصميم الذي يعزز الحميمية ويؤكد رغبات المستخدمين، ما يمثل خطرًا على الأشخاص ذوي الهشاشة النفسية أو العزلة الاجتماعية.
تشير الدراسات إلى أن غالبية مستخدمي الذكاء الاصطناعي لا يعانون مشاكل نفسية كبيرة، إلا أن الشباب والمراهقين في أوائل العشرينيات يُعدّون الأكثر عرضة للتأثر، خاصة مع الانعزال الاجتماعي والاستخدام المكثف لمنصات التواصل.

وأظهرت دراسة أعدها “أندرو مكستاي” أن 20% من المشاركين يرون ضرورة الحد من استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لمن هم دون الثامنة عشرة.
كما يحذر المختصون من اعتبار هذه الأدوات بديلًا عن المعالج النفسي، إذ يمكن أن يؤدي الاستخدام الخاطئ إلى نصائح خطيرة تصل أحيانًا إلى التفكير في إنهاء الحياة.
إلى جانب المخاطر النفسية، تشير الأبحاث الحديثة إلى تأثيرات معرفية طويلة الأمد. فقد أظهرت دراسة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن الاعتماد المكثف على روبوتات الدردشة أثناء أداء مهام ذهنية يقلل من نشاط الدماغ والقدرة على التفكير النقدي مقارنة بالاعتماد على البحث التقليدي أو العمل المستقل.
كما أظهرت البيانات تراجع القدرة على التركيز والتعلم منذ منتصف العقد الماضي، مرتبطًا بالتحول من القراءة المتأنية إلى التصفح السريع، وما يصاحبه من ضعف في الحساب والاستدلال المنطقي، وهو ما قد يزداد سوءًا مع الاعتماد المكثف على أدوات الذكاء الاصطناعي.
يشدد الخبراء على أن الحد من مخاطر الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى وعي مشترك من المستخدمين والمطورين. فالتقليل من الحميمية الزائدة في تصميم النماذج قد لا يكون دائمًا مقبولًا لدى المستخدمين، لكن التثقيف حول حدود إمكانات هذه التكنولوجيا واستخدامها باعتدال يُعد خطوة ضرورية.
ويقول “جوزيف بيير”، أستاذ الطب النفسي في جامعة كاليفورنيا، إن كثافة الاستخدام والإيمان المبالغ فيه بقدرات هذه الأدوات كمصدر مطلق للحقيقة يمثلان مؤشرات مبكرة لعلاقة غير صحية مع الذكاء الاصطناعي.
ختامًا، يؤكد الخبراء أن هذه التكنولوجيا، رغم كونها ثمرة عبقرية الإنسان، قد تتحول إلى تهديد للسلام النفسي والقدرات العقلية، ما يستدعي التعامل معها كأداة مساعدة فقط، مع الحفاظ على وعي نقدي وإدراك حدوده.



