اليوان الرقمي.. بكين تصنع طريقها نحو النفوذ المالي العالمي

مع تصاعد الضغوط الاقتصادية والتوترات الجيوسياسية، تتجه الصين بخطى حثيثة لتعزيز نفوذها المالي عبر اليوان الرقمي، العملة التي قد تشكل تحديًا جزئيًا لهيمنة الدولار الأمريكي في المستقبل القريب.
في خطوة غير مسبوقة، تحاول بكين دمج التكنولوجيا مع القوة الاقتصادية لتشكيل نظام مالي أكثر كفاءة وسرعة.
بدأت الصين العمل على تطوير عملتها الرقمية منذ عام 2016، عندما أطلق بنك الشعب الصيني أبحاثه لتطوير نسخة رقمية من اليوان. ثم توسعت التجارب في مدن رئيسية مثل شنتشن وسوتشو، لتصبح العملة اليوم قادرة على معالجة معاملات تتجاوز قيمتها تريليوني دولار، ما يعكس طموح الصين لتحويل اليوان إلى لاعب عالمي مؤثر.

لا يعتمد اليوان الرقمي على البلوك تشين المفتوح كما تفعل العملات المشفرة التقليدية، بل يُدار ضمن بنية تحتية مركزية تحت إشراف البنك المركزي الصيني. ويعمل النظام وفق هيكل ثنائي المستوى: يصدر البنك المركزي العملة بينما تتولى البنوك التجارية ومنصات الدفع توزيعها وإدارة المحافظ الرقمية.
يشير يانيس فاروفاكيس، وزير المالية اليوناني السابق، إلى أن التكامل بين منصات مثل “وي شات” والنظام المصرفي الصيني يعزز من قوة اليوان الرقمي، في مقابل عدم قدرة البنوك الغربية على مشاركة بياناتها مع شركات التكنولوجيا، ما يمنح بكين ميزة فريدة في القطاع المالي الرقمي.
حجم المعاملات باليوان الرقمي | |
الفترة | حجم المعاملات (تريليون دولار) |
ديسمبر 2021 | 0.01 |
يونيو 2023 | 0.25 |
يونيو 2024 | 0.97 |
سبتمبر 2025 | 1.98 |
نوفمبر 2025 | 2.3 |
وفقًا لفاروفاكيس، يعزز اليوان الرقمي مكانة الصين العالمية بفضل قوتها الصناعية وشبكة شركائها التجاريين. ويتيح النظام الجديد معاملات أسرع وأرخص مقارنة بالنظام المالي التقليدي الغربي الذي يعتمد على غرف المقاصة والبنوك الوسيطة وفترات تسوية تصل إلى 3–5 أيام.
في النظام المصرفي التقليدي، قد تحتاج شركة ألمانية لدفع ثمن معدات صينية إلى المرور بستة بنوك وسيطة قبل وصول الأموال إلى المورد. أما عبر اليوان الرقمي، فتتم المعاملة مباشرة بين المحافظ الإلكترونية للبنك والمورد، ما يقلل التكاليف بنسبة تصل إلى 98% ويختصر زمن التحويل إلى ثوانٍ معدودة.
توسع الصين استخدام اليوان الرقمي خارج حدودها، عبر تسويات ثنائية مع شركاء تجاريين دوليين، من خلال الانضمام إلى نظام CIPS، البديل الصيني لـ “سويفت”، ومنصة mBridge التابعة لبنك التسويات الدولية، التي شكلت حوالي 95% من حجم المعاملات في التجارب الأخيرة.
يمكن لليوان الرقمي أن يمنح الصين فرصة لتجاوز قيود النظام المصرفي التقليدي وزيادة الحصة العالمية لليوان، التي لا تتجاوز حاليًا نحو 2% من الاحتياطيات الأجنبية للبنوك المركزية. كما يمكن لتقلبات السياسات التجارية الأمريكية واتجاه البنوك المركزية نحو تنويع الاحتياطيات الذهبية أن تدفع استخدام العملة الرقمية الصينية بشكل أكبر.
رغم الطموحات الكبيرة، يبقى الحديث عن تقليص هيمنة الدولار مبكرًا، نظرًا لعمق الأسواق الأمريكية وحرية حركة رؤوس الأموال والثقة المؤسسية بالدولار.
ومع ذلك، يمثل توسع اليوان الرقمي خطوة واضحة نحو نظام مالي عالمي أكثر تنوعًا، قد يعيد تشكيل آليات إدارة المدفوعات والسيولة على الصعيد الدولي في المستقبل.




