الهجرة إلى غير المعتاد: كيف أصبحت دول متوسطة الدخل منافسًا جديدًا للدول الغنية؟

لطالما ارتبط حلم الهجرة الدولية بالدول الغنية، حيث الرواتب المرتفعة، والخدمات العامة المتطورة، وفرص التعليم والعمل الواعدة. لكن الواقع العالمي اليوم بدأ يتغير، مع ظهور وجهات جديدة تجذب الكفاءات الشابة بطريقة غير تقليدية.
كان راهول، شاب هندي في أواخر العشرينيات، مثالاً حيًا على هذا التحول. بعد تخرجه في كلية التجارة بمدينة بونه، وعمله كمحاسب مبتدئ براتب محدود بالكاد يغطي الإيجار والمواصلات، أمضى سنوات في متابعة فرص الهجرة إلى كندا.
لكنه سرعان ما اكتشف أن الحلم الكندي صار بعيد المنال بسبب الرسوم الدراسية المرتفعة، ومتطلبات اللغة، وطول الانتظار، إضافة إلى قصص أصدقائه الذين وصلوا للعمل في وظائف تقل عن مؤهلاتهم.
وفي أحد الأمسيات، لفت إعلان توظيف لشركة مالية تعمل في نيجيريا انتباهه، تبحث عن محاسبين لديهم خبرة في الأنظمة الدولية وإعداد تقارير الشركات متعددة الجنسيات. رغم أن نيجيريا لم تكن ضمن وجهاته المعتادة، قرر راهول التقديم من باب التجربة.
بعد أسابيع، تلقى عرض عمل لم يتوقعه: راتب يزيد عن ضعف دخله في الهند، تأشيرة عمل سريعة، وسكن مؤقت تقدمه الشركة في لاجوس. انتقل راهول إلى المدينة الإفريقية الصاخبة، حيث وجد فرصًا أوسع، وتكاليف معيشة أقل، وتجربة مهنية مثرية ضمن فريق متنوع يخدم شركات متعددة.
قصة راهول تعكس تحوّلًا أوسع في أنماط الهجرة العالمية. فقد باتت دول غير تقليدية مثل نيجيريا قادرة على جذب الكفاءات في وقت أصبحت فيه الدول الغنية أكثر تشددًا في سياساتها تجاه المهاجرين.
بين عامي 2023 و2024، انخفضت هجرة العمالة إلى الدول الغنية بنسبة 21%، فيما تراجع صافي الهجرة إلى المملكة المتحدة بأكثر من 40%، وفق بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
في المقابل، برزت دول متوسطة الدخل كوجهات جذابة، من بولندا والتشيك إلى المكسيك، حيث توفر فرص عمل مباشرة، سياسات دخول مرنة، وتكاليف معيشة منخفضة نسبيًا. فبولندا أصدرت أكثر من مليون تصريح عمل للأجانب سنويًا، والتشيك تستضيف أكثر من 1.1 مليون أجنبي، فيما أصبحت المكسيك وجهة للعمالة في القطاعات الصناعية المرتبطة بسلاسل التوريد العالمية.

الهجرة لم تعد مدفوعة بالاقتصاد وحده. تغير المناخ، الكوارث الطبيعية، والنمو السكاني السريع في دول المصدر، دفع العديد إلى البحث عن الأمان والاستقرار في دول أقرب جغرافيًا وأكثر قدرة على الاستيعاب السريع، حتى وإن لم تكن من أغنى دول العالم.
تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن عدد المهاجرين الدوليين بلغ نحو 304 ملايين في عام 2024، أي نحو ضعف العدد المسجل عام 1990، ما يعكس أن الهجرة أصبحت ظاهرة عالمية متشعبة، لا تقتصر على الدول الغنية التقليدية.
في عالم تتوزع فيه الفرص بشكل مختلف، الدول التي تفهم هذا التحول وتتكيف معه قد لا تكون الأغنى اليوم، لكنها ستكون الأكثر جذبًا للمواهب غدًا.




