المنفعة الحدّية: السر الخفي وراء قرارات الشراء اليومية

في حياتنا اليومية، حيث تزدحم الخيارات وتتسارع وتيرة الاستهلاك، كثيراً ما نتساءل عن السبب وراء شعورنا بالرضا من منتج ما أو فقدانه بعد فترة قصيرة.
هنا يدخل مفهوم المنفعة الحدّية كأداة اقتصادية لفهم هذا الشعور، موضحاً كيف تمنحنا كل وحدة إضافية من سلعة أو خدمة متعة أقل تدريجياً، ولماذا قد نختار التوقف عن المزيد.
المنفعة الحدّية هي مقدار الرضا الإضافي الذي يحصل عليه الفرد عند استهلاك وحدة إضافية من منتج أو خدمة. بعبارة بسيطة: كم سأستمتع أكثر إذا حصلت على واحدة إضافية؟
ويعتمد هذا المفهوم على قانون تناقص المنفعة الحدّية، الذي يشير إلى أن كل وحدة إضافية تمنح شعوراً أقل بالرضا. على سبيل المثال، الكرة الأولى من الآيس كريم متعة كبيرة، الثانية أقل، والثالثة قد تتحول إلى عبء.
على مستوى المستهلك، تساعد المنفعة الحدّية على اتخاذ قرارات شراء واعية، وتجنب الإفراط. أما الشركات، فهي تستفيد منها لتحديد الأسعار، وتصميم العروض، وزيادة الإيرادات. كما قال الاقتصادي ألفريد مارشال: “قيمة الشيء تُحدد بمنفعته الحدّية”.
أمثلة من حياتنا اليومية
القهوة الصباحية: الكوب الأول ينعش العقل، الثاني يخفف التأثير، والثالث قد يؤدي إلى توتر أو أرق.
البوفيهات المفتوحة: اللقمة الأولى ممتعة، بينما تقل المتعة مع كل طبق إضافي، ما يدفع المطاعم للتركيز على التنوع أكثر من الكمية.
الهواتف الذكية: الانتقال لهاتف حديث يوفر قيمة كبيرة، بينما الترقية التالية غالباً ما تكون طفيفة.
التسوق والملابس: الشراء الأول يثير الحماس، لكن التكرار يقلل المتعة، لذلك تركز العلامات التجارية على الجودة والتعدد الوظيفي.
الاشتراكات الرقمية: الشهر الأول مليء بالرضا، ومع مرور الوقت تقل المتعة إذا لم يتجدد المحتوى.
تشير الدراسات إلى أن المستهلكين يبالغون أحياناً في تقدير الرضا المستقبلي، ما يؤدي إلى الإفراط في الشراء. وفق اتحاد التجزئة الأمريكي، نحو 70% من المستهلكين مستعدون لدفع المزيد مقابل تجربة محسّنة، لا مجرد منتج.
اتجاهات حديثة تعكس ذلك:
الأغذية النباتية: الطلب يتزايد بفضل الفوائد الصحية والقيم الأخلاقية.
صناديق الاشتراك الشهرية: عنصر المفاجأة والتخصيص يزيد من المنفعة الحدّية المتصورة.
استراتيجيات التسعير المبنية على المنفعة الحدّية
التسعير الديناميكي: مثل شركات الطيران، حيث ترتفع الأسعار مع زيادة الطلب.
التسعير النفسي: مثل 9.99 دولار بدلاً من 10 دولارات، لتعزيز شعور القيمة.
العروض المجمعة (Bundles): زيادة المنفعة مقابل السعر، كما في وجبات المطاعم السريعة.
تشير الدراسات إلى أن رفع السعر بنسبة 1% قد يزيد الأرباح بنحو 11% في بعض القطاعات إذا تم التسعير وفق المنفعة المتصورة.

المنفعة الحدّية في الغذاء والترفيه
الغذاء: التنوع يزيد الرضا العام، بينما التكرار يؤدي إلى الملل.
الترفيه الرقمي: منصات مثل “تيك توك” توفر إشباعاً سريعاً، ما يقلل من المتعة المتصورة للمحتوى الطويل.
تطبيقات عملية
للأفراد:
التركيز على الجودة وليس الكمية.
الوعي بتناقص المتعة مع الإفراط.
ترتيب الأولويات المالية.
للشركات:
التسعير المتدرج.
الابتكار المستمر.
الاستماع لملاحظات العملاء.
دراسات تشير إلى أن تطبيق هذا المفهوم بذكاء يمكن أن يزيد معدل الاحتفاظ بالعملاء بنسبة تصل إلى 25%.
المنفعة الحدّية ليست مجرد نظرية أكاديمية، بل أداة لفهم قراراتنا اليومية، من أبسط اختيارات الطعام إلى أعقد قرارات الاستثمار. إدراكنا أن “المزيد ليس دائماً أفضل” يمنح المستهلكين والشركات القدرة على اتخاذ قرارات أكثر ذكاء واستدامة.
وفي المرة القادمة التي تفكر فيها بإضافة شيء جديد إلى سلة مشترياتك، توقف لحظة واسأل: هل ستضيف هذه الوحدة قيمة حقيقية، أم أن المنفعة قد بلغت ذروتها؟




