المفاعلات الصغيرة: الطموح الأمريكي للطاقة النووية بين الحلم والتحدي

في قلب ولاية ميشيغان، وعلى ضفاف بحيرة ميشيغان، يقف مبنى خرساني رمادي الزوايا يبدو للوهلة الأولى كمنشأة صناعية مهجورة. لكن هذا المبنى ليس مجرد هيكل مهجور، بل يمثل اليوم رمزًا محتملًا لنهضة نووية أمريكية جديدة، في واحدة من أكثر المبادرات طموحًا وجدلًا في قطاع الطاقة العالمي.
محطة “باليسادز” النووية، التي أُغلقت عام 2022 بسبب تكاليف التشغيل العالية وفائض الغاز الطبيعي الرخيص، تستعد للعودة من خلال مشروع تقوده شركة هولتيك Holtec لإعادة تشغيل المفاعل التقليدي وإضافة مفاعلين معياريين صغيرين، في خطوة تعتبر الأولى من نوعها في تاريخ الطاقة النووية الأمريكية.
المفاعلات المعيارية الصغيرة (SMRs) هي نسخة مصغرة من المفاعلات التقليدية، تُسوَّق على أنها أكثر أمانًا، وأقل تكلفة، وأسهل في البناء والتمويل.
ومع تزايد الحاجة إلى طاقة نظيفة ومستقرة على مدار الساعة، تبرز هذه التقنية كخيار واعد خاصة لمراكز البيانات العملاقة التي تدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة.
استثمارات ضخمة من شركات التكنولوجيا الكبرى، مدعومة سياسيًا وماليًا من الحكومة الأمريكية السابقة، دفعت المفاعلات الصغيرة إلى واجهة الابتكار، مع التركيز على تطوير الطاقة النووية لتلبية الطلب المستقبلي على الكهرباء المستدامة.
رغم الحماس، يحذر الخبراء من أن التكاليف لا تزال مرتفعة مقارنة بمصادر الطاقة المتجددة الأخرى مثل الرياح والطاقة الشمسية أو الغاز الطبيعي.
كما أن المفاعلات الصغيرة تحتاج إلى سنوات طويلة قبل أن تدخل الخدمة الفعلية. حتى الآن، لا يوجد أي مفاعل صغير عامل في الولايات المتحدة، بينما تعمل ثلاثة فقط على مستوى العالم، اثنان في الصين والثالث على بارجة روسية قبالة سيبيريا.
يرى الخبراء أن المشروع يعيد تجربة المفاعلات الصغيرة التي كانت موجودة في الولايات المتحدة خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، لكنها فشلت اقتصاديًا، ما دفع الصناعة للتوجه نحو المفاعلات الضخمة.
تلك المفاعلات الكبيرة تحولت لاحقًا إلى مشاريع مكلفة ومعقدة أدت إلى ركود الصناعة النووية الأمريكية أمام الغاز الصخري الرخيص. اليوم، يأمل المطورون أن التكنولوجيا الجديدة والمواد المتقدمة تجعل من المفاعلات الصغيرة خيارًا عمليًا وواعدًا، رغم أن جدواها لم تُثبت بعد.
تكمن فكرة المفاعلات الصغيرة في أنها حل تقني لمشكلة التمويل؛ إذ يقلل حجم المفاعل من التكلفة الإجمالية مقارنة بالمفاعلات التقليدية الضخمة، ويجعل المشروع أكثر جاذبية لرؤوس الأموال الخاصة.

ويعتمد النموذج على التصنيع المعياري، حيث تُصنع المفاعلات في مصانع مركزية ثم تُنقل إلى مواقعها، ما يقلل التكاليف والمخاطر.
تخطط هولتيك لإعادة تشغيل مفاعل باليسادز التقليدي بقدرة 800 ميغاواط، بالإضافة إلى مفاعلين صغيرين بقدرة 300 ميغاواط لكل منهما، مع استهداف تشغيل المفاعلات الصغيرة بحلول عام 2031 بعد استكمال الموافقات التنظيمية.
المنافسة في السوق لا تقتصر على هولتيك. شركة كايروس باور Kairos Power تبني مفاعلًا تجريبيًا في تينيسي باستخدام تقنية تبريد مبتكرة تعتمد على أملاح الفلوريد المنصهرة، مستهدفة تشغيل مفاعل تجاري بحلول 2030، مع استثمار كبير من غوغل لتغذية مراكز بياناتها.
كما دخلت أمازون وميتا السوق عبر استثمارات واتفاقيات مع شركات نووية، ما يعكس سباقًا محمومًا نحو استكشاف إمكانات المفاعلات الصغيرة في الولايات المتحدة.
رغم تدفق الاستثمارات، تبقى التحديات الاقتصادية والتقنية قائمة. تكلفة تشغيل المفاعلات الصغيرة لا تزال مرتفعة، كما تواجه بعض التصميمات مشكلات في الوقود، خاصة اعتمادها على اليورانيوم منخفض التخصيب عالي النسبة (HALEU) الذي لا تزال سلاسل توريده محدودة.
وتبرز أيضًا المخاوف البيئية المتعلقة بالنفايات النووية، إذ قد تنتج بعض المفاعلات الصغيرة نفايات أكثر بسبب كفاءة أقل في استخدام الوقود.
مع تسريع جهود التراخيص وتخفيف القيود التنظيمية، يحذر الخبراء من مخاطر محتملة على السلامة، بينما تؤكد وزارة الطاقة الأمريكية أن أعلى معايير الأمان ستظل مطبقة لضمان تشغيل آمن ومستدام.
يبقى السؤال الأكثر أهمية: هل يمكن تشغيل المفاعلات الصغيرة بطريقة اقتصادية وآمنة؟ الجواب على هذا السؤال سيحدد ما إذا كانت المفاعلات المعيارية الصغيرة تمثل مستقبل الطاقة النووية الأمريكية، أم مجرد فصل جديد في تاريخ وعود لم تُحقق بعد.




