اقتصاد المغربالأخبار

المغرب يتجه لتعديل نظام الصفقات العمومية لتعزيز الشفافية والعدالة الجبائية

في خطوة تروم إعادة هيكلة أحد أهم أنظمة تدبير المال العام بالمغرب، شرعت الحكومة في فتح مسودة مشروع تعديل المرسوم المنظم للصفقات العمومية أمام الملاحظات العمومية، ضمن مقاربة تشاركية تهدف إلى تطوير آليات الاستثمار العمومي وتحسين فعالية تنفيذ المشاريع.

ويأتي هذا الورش الإصلاحي في سياق معالجة مجموعة من الاختلالات التي برزت خلال السنوات الأخيرة، من خلال تبسيط الإجراءات الإدارية، وترسيخ مبادئ الشفافية، وتوسيع قاعدة الاستفادة من الطلبيات العمومية، بما يضمن تسريع إنجاز المشاريع وتحسين مردوديتها.

كما يسعى التعديل الجديد إلى إعادة ضبط أدوار ومسؤوليات مختلف المتدخلين في مسار إبرام الصفقات، بهدف تقليص تداخل الاختصاصات وتقليص آجال الإنجاز، إلى جانب تطوير آليات الإشراف المنتدب على المشاريع، الذي بات يشكل رافعة أساسية لتنفيذ الأوراش التنموية الكبرى.

وعلى المستوى الاجتماعي، يتضمن المشروع إدماج معايير جديدة تهم ظروف العمل اللائق داخل منظومة الصفقات، من خلال إلزام أصحاب المشاريع بأخذ الحد الأدنى للأجور والمساهمات الاجتماعية الإجبارية بعين الاعتبار عند إعداد الكلفة التقديرية للصفقات المرتبطة بالحراسة والنظافة وصيانة المساحات الخضراء.

ويأتي هذا الإجراء استجابة لملاحظات متزايدة بشأن لجوء بعض المقاولات إلى تقديم عروض منخفضة بشكل كبير، بما قد ينعكس سلباً على حقوق العمال وظروف اشتغالهم، خاصة في القطاعات التي تعتمد بشكل واسع على اليد العاملة.

وفي ما يخص دعم الاقتصاد المحلي، يراهن المشروع على جعل الصفقات العمومية رافعة للتنمية الترابية، عبر منح أفضلية تدريجية للمقاولات المحلية وفق تسلسل يبدأ بالجماعة الترابية، ثم الإقليم أو العمالة، وصولاً إلى الجهة، بهدف تعزيز الدورة الاقتصادية داخل المجالات الترابية ودعم فرص الشغل.

كما ينص التعديل المقترح على اعتماد آلية القرعة في حال تساوي العروض المستوفية للشروط، بما يضمن تكافؤ الفرص ويحد من أي تأويلات محتملة في مساطر الاختيار.

وفي تحول مهم على مستوى تقييم العروض المالية، تقترح المسودة اعتماد معيار العرض الأقل سعراً مقارنة بالثمن المرجعي المحدد مسبقاً، بدلاً من الاقتصار على معيار “أفضل عرض”، في إطار توجه يروم ترشيد النفقات العمومية وتحسين نجاعة الإنفاق.

ويرافق هذا التوجه تشديد الضوابط المتعلقة بظاهرة “كسر الأسعار”، التي غالباً ما تؤثر على جودة المشاريع والخدمات العمومية، رغم ما توفره من تخفيضات مالية على المدى القصير.

كما يفتح المشروع المجال أمام فئات أوسع من الفاعلين الاقتصاديين، من ضمنهم المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، والمقاولون الذاتيون والتعاونيات والمقاولات الناشئة، عبر رفع سقف الاستفادة من سندات الطلب إلى 800 ألف درهم سنوياً مع احتساب الرسوم.

وفي إطار تعزيز العدالة الجبائية داخل سوق الصفقات، يتضمن النص الجديد إجراءات لتوحيد تقييم العروض المالية في بعض الحالات المرتبطة بالضريبة على القيمة المضافة، بهدف ضمان تكافؤ الفرص بين مختلف المتنافسين، ومنع أي امتيازات ضريبية غير مبررة قد تؤثر على المنافسة.

أما على مستوى الحكامة، فيقترح المشروع تنظيم آجال صلاحية العروض ومدة المصادقة عليها بشكل أكثر دقة، مع تحديد سقوف زمنية للبت في الصفقات، بما يقلص حالات التأخير ويعزز ثقة الفاعلين الاقتصاديين في المساطر الإدارية.

كما يعزز التعديل الاعتماد على الرقمنة في مختلف مراحل الصفقات العمومية، من فتح الأظرفة إلى تقييم العروض وتتبع التنفيذ، في إطار توجه يهدف إلى تقليص التدخل البشري، وترسيخ الشفافية، وتعزيز النزاهة داخل منظومة تدبير الصفقات العمومية.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى