الاقتصادية

الصين والاتحاد الأوروبي يقتربان من تسوية تجارية لتفادي تصعيد الخلافات

تتجه الصين والاتحاد الأوروبي نحو احتواء التوترات التجارية بينهما، في ظل تنامي المخاوف من اندلاع مواجهة اقتصادية قد تؤثر في المبادلات التجارية العالمية، بعدما أبدى الجانبان استعداداً لتعزيز الحوار والتوصل إلى تفاهمات بشأن الملفات الأكثر خلافاً، وفي مقدمتها صادرات السيارات والمواد الاستراتيجية.

وأكدت وزارة التجارة الصينية، السبت، أن المحادثات التي جمعت وزير التجارة الصيني وانغ وينتاو والمفوض الأوروبي للتجارة ماروش شيفتشوفيتش في بكين شكلت «نقطة انطلاق جديدة» في العلاقات الاقتصادية بين الطرفين، معتبرة أن نتائجها تعكس وجود إرادة مشتركة لتدبير الخلافات عبر التشاور وتفادي التصعيد.

وجاء هذا الموقف عقب مفاوضات استمرت يومين، توصل خلالها الطرفان إلى تفاهمات أولية بشأن عدد من القضايا التجارية الحساسة، في خطوة قد تساهم في تخفيف حدة التوتر بين ثاني أكبر اقتصاد في العالم والتكتل الأوروبي الذي يضم 27 دولة.

ومن أبرز نتائج المحادثات موافقة بكين على ضبط صادراتها من السيارات الهجينة الموجهة إلى السوق الأوروبية، التي تواجه فيها شركات صناعة السيارات المحلية ضغوطاً متزايدة بفعل المنافسة الصينية.

وأوضح شيفتشوفيتش، الجمعة، أن التفاهم الذي جرى التوصل إليه قد يفتح المجال أمام خفض صادرات الصين من هذه السيارات إلى الاتحاد الأوروبي بأكثر من النصف، وفق تقديرات تمتد على أربع سنوات.

وأشار بيان مشترك صدر عقب المحادثات إلى أن الطرفين توصلا إلى تفاهم بشأن تجارة السيارات الهجينة بما يتماشى مع قواعد منظمة التجارة العالمية، بعد مناقشات وصفها الجانبان بالمكثفة.

وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة بالنسبة إلى قطاع السيارات الأوروبي، الذي يواجه تحديات مرتبطة بتنافسية الأسعار والتحولات التكنولوجية، في وقت توسع فيه الشركات الصينية حضورها في الأسواق الخارجية.

وتشكل صادرات السيارات الصينية إحدى أبرز نقاط الخلاف بين بكين وبروكسل، في سياق اتساع الفائض التجاري الصيني مع الاتحاد الأوروبي، الذي يناهز مليار يورو يومياً، وفق المعطيات الواردة في التقرير.

وتتزايد داخل أوروبا الانتقادات الموجهة إلى السياسة التجارية الصينية، إذ تتهم أطراف أوروبية بكين بتوفير دعم حكومي واسع لشركاتها، والمساهمة في إغراق الأسواق بمنتجات منخفضة الأسعار، فضلاً عن إثارة تساؤلات بشأن تأثير السياسات النقدية وسعر العملة في تنافسية الصادرات.

وفي المقابل، يواجه الاقتصاد الصيني ضعفاً في الطلب الداخلي، ما يدفع عدداً من المصنعين إلى البحث عن فرص نمو إضافية في الأسواق الخارجية، ويزيد من حدة المنافسة مع المنتجين الأوروبيين.

ومن شأن استمرار هذه الاختلالات أن يجعل ملف التجارة الثنائية محوراً أساسياً في العلاقات الاقتصادية بين الجانبين، خصوصاً مع تداخل المصالح الصناعية والاستثمارية مع اعتبارات حماية الإنتاج المحلي.

ولم تقتصر المحادثات على قطاع السيارات، بل شملت أيضاً إمدادات المواد الحيوية التي تعتمد عليها الصناعات الأوروبية، وفي مقدمتها المعادن النادرة المستخدمة في قطاعات التكنولوجيا والطاقة والصناعة.

وفي هذا الإطار، تعهدت الصين بمواصلة توريد هذه المواد إلى الاتحاد الأوروبي، في ملف يحظى باهتمام متزايد منذ فرض بكين، خلال العام الماضي، متطلبات للحصول على تراخيص تصدير لبعض المواد الاستراتيجية.

وتثير هذه القيود مخاوف أوروبية بشأن استقرار سلاسل الإمداد وقدرة الشركات الصناعية على تأمين احتياجاتها بصورة منتظمة، بالنظر إلى أهمية هذه المواد في إنتاج المعدات الإلكترونية والتقنيات المتقدمة ومكونات التحول الطاقي.

ومن المتوقع أن يظل ضمان تدفق المواد الاستراتيجية أحد الملفات الرئيسية في المفاوضات المقبلة، بالنظر إلى سعي الاتحاد الأوروبي إلى الحد من مخاطر الاعتماد على عدد محدود من الموردين، مقابل حرص الصين على حماية مصالح شركاتها التصديرية.

وأكدت وزارة التجارة الصينية أن المناقشات تناولت سبل تجنب تصعيد الخلافات التجارية، مع حماية المصالح التصديرية الفعلية للشركات الصينية، مشيرة إلى أن الجانبين سيواصلان تكثيف المشاورات بشأن القضايا الاقتصادية والتجارية ذات الاهتمام المشترك.

كما أعلن الطرفان عزمهما مواصلة العمل على الملفات العالقة، على أن يُعقد الاجتماع المقبل من هذا النوع في مارس، وفق ما أوردته الوزارة الصينية.

ورغم أن التفاهمات المعلنة لا تعني انتهاء الخلافات التجارية بين الصين والاتحاد الأوروبي، فإنها توفر أرضية لمواصلة التفاوض بشأن الملفات الأكثر حساسية، وتجنب انتقال النزاع إلى إجراءات متبادلة قد تزيد تكاليف التجارة وتضغط على الشركات والمستهلكين.

وبذلك، ستظل فعالية التقارب بين الطرفين مرتبطة بمدى ترجمة التفاهمات إلى التزامات عملية، خصوصاً في ما يتعلق بصادرات السيارات وإمدادات المعادن النادرة، فضلاً عن قدرة بكين وبروكسل على معالجة الخلافات المتعلقة بالمنافسة والدعم الصناعي ضمن إطار تفاوضي مشترك.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى