الذكاء الاصطناعي وطاقة المستقبل: كيف يعيد الطلب على الكهرباء رسم خريطة الطاقة العالمية؟

يُقدَّم الذكاء الاصطناعي غالبًا كقوة تدفع العالم نحو مستقبل أكثر كهربائية وأقل انبعاثًا للكربون، غير أن الواقع الذي يتشكل على الأرض يبدو أكثر تعقيدًا.
فمع التوسع السريع في البنية التحتية الرقمية، تظهر معادلة جديدة قد تمنح الغاز الطبيعي دورًا أكبر مما كان متوقعًا في مرحلة الانتقال الطاقي.
خلال السنوات الماضية، اعتادت شركات الطاقة على نمو محدود في استهلاك الكهرباء. لكن الطفرة الحالية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي غيّرت المشهد جذريًا. تدريب النماذج الضخمة وتشغيلها يتطلبان قدرات حوسبة هائلة، ما يدفع إلى توسع سريع في مراكز البيانات العملاقة التي تطلب كميات كهرباء تُقاس بمستوى الغيغاواط.
هذا النوع من الطلب لا يشبه الاستهلاك التقليدي؛ فهو طلب مستمر وعالي الكثافة، حيث لا يمكن لمراكز البيانات التوقف عن العمل عند حدوث نقص في الإمدادات، لأن أي انقطاع يعني خسائر ضخمة. وهنا تصبح الموثوقية عاملًا حاسمًا في معادلة الطاقة.
رغم التوسع المتواصل في مشاريع الرياح والطاقة الشمسية، فإن طبيعتها المتقطعة تطرح تحديات أمام تغذية أحمال ثابتة مثل مراكز البيانات.
فالتخزين بالبطاريات يتطور، لكنه ما يزال مكلفًا عندما يتعلق الأمر بالتخزين طويل الأمد، بينما تحتاج المشاريع النووية إلى سنوات من التخطيط والتنفيذ، كما أن شبكات النقل الكهربائية لا تنمو بالسرعة نفسها التي ينمو بها الطلب.
هذه الفجوة تفتح الباب أمام مصادر الطاقة القابلة للتشغيل عند الطلب، وعلى رأسها الغاز الطبيعي، الذي يتميز بسرعة التشغيل والقدرة على توفير طاقة مستقرة دون فترات انقطاع.
في خضم الحديث عن الطاقة النظيفة، يبرز الغاز الطبيعي كحل عملي قصير إلى متوسط الأجل. فمحطات التوليد المعتمدة عليه يمكن إنشاؤها بوتيرة أسرع مقارنةً بالبدائل الأخرى، كما أن شبكات الأنابيب والبنية التحتية القائمة تقلل من كلفة التوسع.
وبالنسبة لمشغلي مراكز البيانات، فإن الأولوية القصوى هي الاستقرار والموثوقية، وهو ما يجعل المزج بين الطاقة المتجددة ومحطات الغاز خيارًا متزايد الانتشار في العديد من الأسواق.
السردية السائدة تفترض أن زيادة الاعتماد على الكهرباء تعني تلقائيًا خفض الانبعاثات. لكن الواقع يشير إلى أن نمو الطلب على الكهرباء قد يتجاوز سرعة إضافة القدرات منخفضة الكربون، ما يعني احتمال زيادة استخدام الوقود الأحفوري من حيث الحجم الكلي، حتى مع تحسن نسبة الطاقة النظيفة ضمن المزيج العام.
وبعبارة أخرى، قد ينخفض معدل الانبعاثات لكل وحدة طاقة، بينما ترتفع الانبعاثات الإجمالية بسبب الزيادة الكبيرة في الاستهلاك.
يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي عادةً كقصة تقنية ترتبط بأشباه الموصلات والبرمجيات، لكن هناك وجهًا آخر أقل تداولًا: البنية التحتية للطاقة.
ارتفاع الطلب الكهربائي قد يدعم شركات المرافق التي تستثمر في شبكات النقل، ويعزز فرص منتجي الغاز الطبيعي وشركات البنية التحتية، إضافة إلى مورّدي معدات الشبكات وتوربينات الغاز.
على المدى البعيد، قد تغيّر تقنيات مثل التخزين طويل الأمد أو الطاقة النووية المتقدمة قواعد اللعبة، لكن في اللحظة الراهنة، يبدو أن الاستجابة الأسرع لزيادة الطلب المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ستعتمد على حلول مجرّبة وقابلة للتنفيذ فورًا.
في النهاية، قد يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل الاقتصاد العالمي بطرق غير متوقعة، ومن بين أبرز هذه التحولات أنه قد يمدد عمر الغاز الطبيعي كعنصر أساسي في مزيج الطاقة، ريثما يكتمل بناء البنية التحتية القادرة على تشغيل عصر الحوسبة الجديد.




