الذكاء الاصطناعي في مواجهة القيود.. سباق الابتكار بين الطاقة والتمويل

لم تعد طفرة الذكاء الاصطناعي مجرد قصة تقنية، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لقدرة الاقتصاد على استيعاب الابتكار في ظل قيود ملموسة على الطاقة والتمويل.
تمامًا كما حفز الجشع في الماضي الابتكار في حمى الذهب في كاليفورنيا أو فقاعة الرهن العقاري الأمريكية، يبدو أن الحاجة الماسة إلى موارد إضافية تدفع اليوم شركات التكنولوجيا الكبرى لتجاوز حدود المألوف.
الشبكات الكهربائية تواجه ضغطًا هائلًا لتلبية الطلب المتزايد على تشغيل رقائق الذكاء الاصطناعي. فمشغّل شبكة الكهرباء في تكساس (ERCOT) يتوقع أن يصل الطلب إلى 226 غيغاواط بحلول عام 2030، وهو ما يقارب مئة ضعف ما كان متاحًا عام 2022.
وفي هذا السياق، أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن مخاوفه من ارتفاع أسعار الكهرباء نتيجة هذا الطلب، مؤكّدًا أن عبء التكاليف يجب أن تتحمله شركات التكنولوجيا الكبرى وليس المستهلكون.
لم يعد التمويل الذاتي كافيًا للشركات العملاقة. مع ارتفاع نفقات بناء مراكز البيانات، اضطرت البنوك إلى إعادة هيكلة القروض المقدمة للمشاريع الأصغر والأقل جدارة ائتمانية، بينما ظهرت أساليب مبتكرة لجذب رؤوس الأموال دون إثقال الميزانيات العمومية للشركات.

إيلون ماسك يقود السباق من خلال نموذج “إحضار طاقتك بنفسك”، حيث تم نقل توربينات ومحركات غاز بالشاحنات لتشغيل مراكز البيانات بسرعة قياسية، تحاكي ما كانت تفعله شركات Boom وFartcila باستخدام توربينات الطائرات والسفن البحرية لتوليد الطاقة خارج الشبكة التقليدية.
وبحسب تقديرات غولدمان ساكس، سيُبنى نحو ثلث السعة الإضافية لمراكز البيانات الأمريكية خلال السنوات الخمس المقبلة بهذه الطريقة، ما يسمح بتسريع وتيرة إنشاء مراكز البيانات على نحو غير مسبوق.
على صعيد التمويل، تلجأ الشركات الكبرى مثل ماسك (xAI)، زوكربيرغ (ميتا)، وإليسون (أوراكل) إلى شركات ذات غرض خاص (SPV) لاستئجار وحدات معالجة أو جمع التمويلات خارج الميزانية العمومية، لتخفيف الضغط على ميزانياتها الأساسية.
ميتا جمعت 30 مليار دولار لمركز بيانات Hyperion عبر مزيج من رأس المال الخاص والسندات، بينما جمعت أوراكل 66 مليار دولار لدعم مشاريع الذكاء الاصطناعي، في مؤشرات واضحة على قدرة هذه الشركات على إعادة ابتكار أساليب التمويل التقليدية.

رغم هذه الحلول المبتكرة، تبقى المخاطر كبيرة. في قطاع الطاقة، تعني حلول خارج الشبكة تكاليف تشغيلية أعلى، بينما في أسواق التمويل، قد يؤدي تركيز القروض على عدد محدود من المقترضين إلى هشاشة النظام المالي. وإذا لم تتحقق أرباح مستدامة من الذكاء الاصطناعي، فقد نشهد انهيارًا ائتمانيًا يهدد الاقتصاد الأوسع.
ويشير الخبراء إلى أن المرحلة القادمة من الابتكار لن تكون لإضافة المزيد من “الهواء” إلى الفقاعة، بل لإيجاد استراتيجيات لإدارة المخاطر والتعامل مع الانفجار قبل حدوثه.




