الاقتصاديةالتكنولوجيا

الذكاء الاصطناعي بين الكفاءة والإرهاق: لماذا يحتاج الإنسان إلى استثمار أكبر؟

مع دخولنا عام 2026، تبدو أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي أكثر انتشاراً من أي وقت مضى، لتعيد تشكيل طريقة عمل المؤسسات وحياة الموظفين اليومية.

وفقاً لأحدث بيانات المنتدى الاقتصادي العالمي، تعتمد اليوم 82% من المؤسسات على الذكاء الاصطناعي لإعادة ابتكار عملياتها. وعلى المستوى الفردي، تشير أبحاث شركة «ووركداي» إلى أن 85% من الموظفين يوفرون ما بين ساعة وسبع ساعات أسبوعياً بفضل هذه الأدوات.

لكن النجاح الظاهر يخفي تحديات عميقة. فبينما تنجز المهام الفردية بسرعة أكبر، لا تترجم هذه الكفاءة تلقائياً إلى تحسن في أداء المؤسسات ككل.

AI in the Classroom: Transforming Education as a Teaching Companion

الوقت الموفر غالباً ما يُهدر في إعادة العمل، والمراجعات المتكررة، ومواجهة ضغوط وظيفية متزايدة. أبحاث «ووركداي» تكشف أنه مقابل كل 10 ساعات من الكفاءة المكتسبة، يقضي الموظفون حوالي أربع ساعات في تصحيح مخرجات الذكاء الاصطناعي. وهذا ليس فشلاً للتقنية، بل انعكاساً لفجوة في الاستثمار بالبشر.

الموظفون اليوم يتعلمون استخدام الأدوات الرقمية، لكن كثيرين منهم يفتقرون إلى التدريب الكافي لتوظيف مهاراتهم الإنسانية الفريدة: الحكم الرشيد، الإبداع، والمسؤولية. النتيجة، كما يصفها البعض، هي ما يمكن تسميته «جهاز جري» جديد: إنتاجية أعلى، لكن جودة المخرجات أقل وإرهاق أكبر.

ومع انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس تحت شعار «روح الحوار»، أصبح من الواضح أن التحدي لم يعد مجرد دمج الإنسان والآلة، بل إعادة صياغة العقد الاجتماعي للعمل في عصر يقوده الذكاء الاصطناعي.

في لقاءات مع رؤساء الموارد البشرية والتنفيذيين، يظهر إجماع على أهمية الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتدريب. ومع ذلك، يشعر الموظفون الأكثر استخداماً لهذه الأدوات بأن الاستثمار فيهم لا يوازي حجم التوقعات. يعرفون كيفية كتابة الأوامر (Prompts)، لكنهم أقل وضوحاً حول متى يثقون بالمخرجات، ومتى يجب تحدّيها، وأين تنتهي مسؤوليتهم المهنية.

AI Efficiency Leads to Human Layoffs — And Why It's a Dangerous Thing, Both  Ethically and Financially

المرحلة المقبلة ليست مجرد توليد محتوى ذكي، بل تطوير أنظمة تفهم السياق: الأفراد، المهارات، السياسات التنظيمية، والمخاطر، لتصبح شريكاً موثوقاً.

ومع ذلك، حتى أكثر الأنظمة ذكاءً تحتاج إلى شريك بشري واعٍ، ما يؤكد ضرورة إعادة الاستثمار في الإنسان.

ثلاثة مسارات رئيسية للتحول المؤسسي

  1. إعادة تصميم الوظائف: الوظائف الحالية لم تُصمم لعصر الذكاء الاصطناعي. التركيز يجب أن يكون على التمييز بين المهام الروتينية والقابلة للأتمتة والمهام الإنسانية الاستراتيجية، لإعادة توجيه الموظفين نحو الأدوار التي تضيف قيمة حقيقية.

  2. تعزيز الجاهزية الإنسانية: المهارات التقنية وحدها لم تعد كافية. التفكير النقدي، الحكم الواعي، والقدرة على الموازنة بين التوصيات التقنية والخبرة العملية أصبحت ضرورية. المؤسسات الرائدة تعتمد التعلم القائم على المهارات وأسواق المواهب الداخلية لتطوير هذه القدرات.

  3. إعادة صياغة بيئة العمل: الذكاء الاصطناعي يوفر الوقت، لكن المؤسسات هي التي تحدد كيفية استخدامه. الأمر يتطلب مراجعة معايير الأداء، توازن الحوافز، وتحديد توقعات جديدة تجعل الصفات الإنسانية مثل الحكم الرشيد، الوضوح، وبناء الثقة عناصر أساسية في التقييم.

الاحتكاك والإرهاق الحاليان ليسا دليلاً على فشل التقنية، بل على استثمارات غير متوازنة. لقد ضخ رأس المال في الأدوات، وحان الوقت لضخ نفس القدر في البشر. معيار النجاح لم يعد عدد الساعات الموفر، بل القيمة الحقيقية التي يخلقها الإنسان في بيئة غنية بالذكاء الاصطناعي.

مع اجتماع القادة في دافوس، يتحول السؤال من: «ماذا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفعل؟» إلى: «ما الدور الذي نريد للإنسان أن يلعبه في عالم يقوده الذكاء الاصطناعي؟ وهل نستثمر فيه بما يكفي؟»

في جوهر هذه الثورة، التقنية ليست الهدف، بل الوسيلة، والإنسان هو القضية الحقيقية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى