الذكاء الاصطناعي.. بين الإنجازات المذهلة والتأثير الاقتصادي المحدود

في مختبرات البحث، وعلى شاشات الحواسيب، وفي مكاتب الشركات الكبرى، يواصل الذكاء الاصطناعي تسجيل إنجازات غير مسبوقة. نماذج متقدمة اليوم تؤدي مهام كانت تستغرق ساعات طويلة من العمل البشري، وتساعد في حل مسائل علمية معقدة، بما في ذلك اكتشافات في الفيزياء النظرية.
لكن عند الانتقال من الإثارة التكنولوجية إلى الأرقام الاقتصادية، يتبدد بعض هذا التفاؤل. السؤال الأساسي: هل يؤدي الذكاء الاصطناعي فعلاً إلى طفرة إنتاجية ملموسة في الاقتصاد، أم أن تأثيره الحقيقي لم يظهر بعد؟
تشير التجارب العملية إلى إمكانات هائلة للذكاء الاصطناعي في تحسين الكفاءة. ففي فبراير 2025، ساعد أحد نماذج شركة أوبن أيه آي على الوصول إلى نتائج جديدة في الفيزياء النظرية، بينما يستخدم الموظفون في الولايات المتحدة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي للكتابة، والبحث، وبرمجة الشفرات.
إلا أن البيانات الاقتصادية تظهر أن الأثر الكلي على الإنتاجية لا يزال محدوداً. فقد نما الاقتصاد الأمريكي بنسبة 2.2% في 2025، بينما زاد التوظيف بمعدل ضئيل يبلغ 0.1% فقط سنويًا، ما يوحي بارتفاع طفيف في الإنتاجية لكل عامل. ومع ذلك، تشير أبحاث بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو إلى أن مكاسب الإنتاجية الأساسية بعد خصم الاستثمارات الضخمة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي قريبة من الصفر.

تشير الدراسات إلى أن معدل تبني أدوات الذكاء الاصطناعي بدأ في الارتفاع، إذ استخدم 41% من الموظفين الأمريكيين هذه الأدوات في نوفمبر 2025، ارتفاعاً من 31% قبل عام.
لكن الاستخدام اليومي يقتصر على 13% فقط، بينما تغطي ساعات العمل التي تشمل الذكاء الاصطناعي نسبة ضئيلة من إجمالي ساعات العمل، مما يحد من تأثيره الفعلي على الإنتاجية الشاملة.
وعلى الرغم من أن بعض الدراسات تشير إلى انخفاض زمن إنجاز المهام بنسبة تصل إلى 40%، وتحسن إنتاجية المستشارين في مهام محددة بنسبة 12–25%، فإن الجمع بين كثافة الاستخدام وحجم التحسين يشير إلى زيادة متواضعة في الإنتاجية لا تتجاوز 0.25–0.5 نقطة مئوية خلال العام الماضي.

يشدد الخبراء على أن القفزات الحقيقية في الإنتاجية لا تتحقق بمجرد إدخال أدوات جديدة، بل عندما تعيد الشركات تصميم عملياتها بالكامل حول هذه التقنية. التاريخ الاقتصادي، من الثورة الصناعية إلى عصر الحواسيب، يؤكد أن الاستفادة القصوى تتطلب إعادة هيكلة شاملة للعمليات ونماذج العمل.
حتى الآن، لا توجد دلائل على أن المؤسسات الكبرى قد أعادت تنظيم عملياتها لتحقيق الاستفادة الكاملة من الذكاء الاصطناعي. أغلب المديرين التنفيذيين يستخدمونه بشكل محدود، ولا يلاحظ غالبية المسؤولين تحسناً ملموساً في الإنتاجية.
قد يكون الذكاء الاصطناعي على أعتاب إحداث ثورة تكنولوجية حقيقية، لكن أثره على الاقتصاد الكلي لا يزال شبه غير مرئي. حتى الآن، تفوق حماسة الابتكار الأرقام الاقتصادية، ما يطرح تساؤلات حول موعد ظهور “الطفرة الإنتاجية” الحقيقية ومدى سرعتها في المستقبل.




