التكاليف الغارقة: متى يصبح التمسك بالمشروع الخاسر كارثة مالية؟

في كثير من الأحيان، تتخذ الشركات قرارات مالية تجعلها تستمر في ضخ الأموال في مشاريع لم تحقق أي عائد، فقط لأن جزءًا كبيرًا من المال قد تم إنفاقه بالفعل.
ما يبدو على أنه خطأ محاسبي، في الواقع هو فخ نفسي يعرف باسم “التكاليف الغارقة” (Sunk Costs)، وهو أحد أكبر التحديات التي تواجه أصحاب الأعمال عند اتخاذ قرارات استثمارية استراتيجية.
في عالم الأعمال، التحدي لا يكمن فقط في الخسائر المالية، بل في التمسك بالمشاريع الفاشلة خوفًا من الاعتراف بالخطأ أو الهدر، ما يجعل الشركات تفقد القدرة على التحرك نحو مسارات أكثر ربحية. فالمسألة تتجاوز الأرقام لتصبح عبئًا نفسيًا يثقل كاهل القرار.
ما هي التكاليف الغارقة؟
التكاليف الغارقة هي مصروفات تم دفعها بالفعل ولا يمكن استردادها بأي شكل، وتشمل عادة:
معدات وآلات وأجهزة الإنتاج
عقود إيجار المكاتب أو المصانع
نفقات تسويقية لم تحقق النتائج المرجوة
برمجيات وخدمات مستهلكة
رواتب الموظفين
بغض النظر عن نجاح المشروع، فإن هذه الأموال تصبح خسارة مؤكدة لا يمكن تعويضها.
ويؤكد ماثيو بارتون من “معهد المحاسبين الماليين” أن مراقبة التكاليف الغارقة تساعد الشركات على كشف المشاريع غير المربحة مبكرًا ومنعها من التحول إلى عبء دائم على الموارد المالية.
لماذا تستمر الشركات في الإنفاق على مشاريع فاشلة؟
السبب ليس دائمًا نقص المعرفة، بل الطبيعة النفسية للبشر، التي تدفع أصحاب الأعمال إلى:
مقاومة التغيير: التمسك بالأساليب القديمة رغم تغير السوق أو التكنولوجيا.
الخوف من الفشل: الاستمرار في تمويل المشروع لتجنب الاعتراف بالخطأ السابق.
النفور من الخسارة (Loss Aversion): الرغبة في استرداد ما فقدته بدلاً من قبول الخسارة.
انحياز الالتزام (Commitment Bias): الصعوبة في التخلي عن خطة غير فعالة بسبب التمسك بالقرار الأصلي.
هذه العوامل النفسية تجعل الشركات تضيع فرصًا أفضل وتزيد خسائرها المستقبلية.
أنواع التكاليف الغارقة
الرواتب والعمالة: بمجرد دفعها تصبح غير قابلة للاسترداد، لذلك من الضروري تقييم أداء الموظفين بشكل دوري لضمان عائد الاستثمار.
المرافق والتكاليف الثابتة: مثل الإيجارات وفواتير الكهرباء والصيانة، ويمكن تخفيضها عبر العمل عن بعد أو الانتقال لمساحات عمل مشتركة.
المعدات والآلات: في قطاع التصنيع، غالبًا ما تصبح تكاليف المعدات غارقة إذا لم تتحقق عوائد ملموسة.
التسويق: الحملات غير الناجحة تصبح استثمارات غير قابلة للاسترجاع.
البحث والتطوير (R&D): استثمارات ضخمة في تطوير المنتجات قد تتحول إلى تكاليف غارقة إذا لم تحقق النتائج المرجوة.
استراتيجيات لتجنب الوقوع في الفخ
اختبار الفكرة قبل الاستثمار الكبير (Test & Learn): اعتماد إثبات المفهوم وجمع ردود فعل العملاء قبل ضخ الأموال.
الحفاظ على الحياد والموضوعية: اتخاذ القرارات بناءً على بيانات دقيقة وليس المشاعر أو التعلق بالماضي.
إعادة تقييم العمليات بشكل دوري: مراجعة الإنفاق والقرارات الاستثمارية باستمرار لتجنب التمويل غير المبرر.
مثال عملي: إذا أنفقت شركة 75,000 يورو على تطوير منتج وحملة تسويقية، ولم يحقق المنتج النجاح بعد 6 أشهر، فإن القرار الأمثل هو وقف الإنفاق الإضافي وتحليل أسباب الفشل قبل تعديل أو إيقاف المشروع.

التكاليف الغارقة مقابل التكاليف الثابتة
التكاليف الثابتة: مصروفات لا تتغير بتغير حجم الإنتاج، مثل الإيجار والرواتب.
التكاليف الغارقة: كل التكاليف الغارقة هي ثابتة، لكن ليست كل التكاليف الثابتة غارقة، لأنها يمكن تعديلها أو إيقافها لتقليل الخسائر المستقبلية.
التكاليف الغارقة ليست مجرد أرقام من الماضي، بل اختبار لقدرتك على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب. الاستمرار في تمويل المشاريع الفاشلة بسبب الخوف من الاعتراف بالفشل أو النفور من الخسارة يؤدي إلى تفويت فرص أفضل وزيادة الخسائر.
النجاح الحقيقي في الأعمال ليس فقط في جني الأرباح، بل في القدرة على التوقف عند اللحظة المناسبة.




