العملات الرقمية

البيتكوين والحوسبة الكمية: سباق التشفير نحو البقاء

قبل أكثر من عقد، وفي خضم تعافي العالم من الأزمة المالية العالمية، ظهر البيتكوين كطفرة تقنية من كود كتبه شخص غامض يُدعى “ساتوشي ناكاموتو”. لم يكن مجرد مشروع عملة رقمية، بل محاولة لبناء نظام مالي مستقل، مقاوم للاختراق، يتجاوز سلطة الحكومات والمؤسسات التقليدية.

على مدى السنوات، أصبح البيتكوين رمزًا للأمان الرقمي، يعتمد على التشفير المعقد ليكون بمثابة حصن ضد المخاطر، وبديلًا رقميًا للذهب. لكن اليوم، تواجه العملة تحديًا جديدًا من نوع آخر: الحوسبة الكمية، التقنية التي قد تحول الخطر النظري إلى تهديد ملموس يهدد أسس الأمان التقليدي للعملات المشفرة.

تستند الحوسبة الكمية إلى مبادئ فيزياء الكم، وتمتاز بقدرتها على معالجة ملايين الاحتمالات في وقت واحد، بدلاً من التعامل مع كل احتمال على حدة كما تفعل الحواسيب التقليدية. هذه القدرة تجعلها قادرة على تحدّي أنظمة التشفير المعتمدة في البيتكوين، والتي كانت حتى الآن شبه منيعة.

Can Quantum Computing Unlock Satoshi's Treasure?

يعتمد نظام البيتكوين على زوج من المفاتيح: مفتاح عام يمكن مشاركته، ومفتاح خاص يظل سريًا لصاحب المحفظة ويتيح تنفيذ المعاملات. يعتمد الأمان على صعوبة استنتاج المفتاح الخاص من العام، وهي مهمة تكاد تكون مستحيلة على الحواسيب التقليدية، لكنها قد تصبح قابلة للتحقيق على الحواسيب الكمومية المستقبلية.

في عام 1994، طور عالم الرياضيات “بيتر شور” خوارزمية كمومية قادرة على اختراق أنظمة التشفير. الدراسات الحديثة تشير إلى أن حاسوبًا كموميًا متطورًا قد يتمكن من استنتاج المفتاح الخاص من العام، ما يجعل المحافظ الرقمية معرضة للخطر بمجرد كشف مفتاحها العام أثناء أي معاملة.

المحافظ الرقمية تظل آمنة ما لم يتم الكشف عن المفتاح العام. لكن بمجرد إرسال معاملة، يظهر المفتاح، مما يمنح المخترق الكمومي وقتًا محدودًا لمحاولة سرقة العملات قبل تنفيذ المعاملة عبر شبكة البيتكوين.

على الرغم من المخاوف، لا يشكل الحوسبة الكمية خطرًا مباشرًا اليوم، إذ تحتاج الحواسيب الكمومية الحالية إلى ساعات لاختراق التشفير، بينما تتم المعاملة في نحو 10 دقائق فقط. ومع ذلك، يتوقع الخبراء أن هذا الوضع سيتغير مع تقدم التكنولوجيا .

يؤكد “ثيو بيرونين”، الرئيس التنفيذي لشركة “أليس آند بوب”، أن القدرات الكمومية قد تصبح قادرة على اختراق البيتكوين بعد منتصف العقد الثالث من القرن الحالي، مع المحافظ القديمة، مثل ممتلكات “ساتوشي ناكاموتو” التي تبلغ 1.1 مليون وحدة، الأكثر عرضة للخطر مستقبلًا .

Can Bitcoin Survive the Quantum Computing Revolution?

تقدر شركة “ديلويت” أن أكثر من 4 ملايين وحدة من البيتكوين معرضة لمخاطر الحوسبة الكمومية، فيما يشير “ديفيد دونج” من “كوين باس” إلى أن نحو 6.51 مليون وحدة – أي حوالي 32.7% من إجمالي المعروض – مخزنة في محافظ أكثر عرضة للهجمات.

انعكس هذا القلق على قرارات المستثمرين، إذ ألغى “كريستوفر وود” تخصيص 10% من محفظته للبيتكوين، معتبرًا أن الشكوك حول أمانها على المدى الطويل تقلل من جاذبيتها مقارنة بالأصول التقليدية كالذهب.

يظل النقاش مستمرًا بين الخبراء، فبعضهم يعتبر المخاطر مبالغًا فيها، مؤكدين إمكانية تطوير خوارزميات مقاومة للهجمات الكمومية والكلاسيكية. لكن التحدي الأكبر هو توحيد شبكة البلوكتشين لاعتماد هذه المعايير، وهو ما قد يستغرق سنوات طويلة.

في النهاية، يبقى السباق بين تطور القدرات الكمومية وقدرة الشبكة على تعزيز أمانها مفتوحًا، مع احتمال أن يتحول التهديد النظري إلى واقع ملموس خلال العقد المقبل.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى