اقتصاد المغربالأخباربورصة الدار البيضاء

البورصة لا تعترف بـ “اليوم”.. دورات السوق هي المقياس الحقيقي للثروة

لم تكن جلسات التداول الأخيرة في بورصة الدار البيضاء مجرد أرقام حمراء على شاشات العرض، بل كانت بمثابة اختبار حقيقي لقدرة السوق المغربي على الصمود في وجه العواصف الجيوسياسية؛ فبينما خيم القلق على المستثمرين إثر خسارة مؤشر “مازي” (MASI) لنحو 10% من قيمته خلال 48 ساعة فقط على خلفية التوترات المتصاعدة بين واشنطن وطهران، يبرز السؤال الجوهري حول ما إذا كان هذا الهبوط نذيراً لركود طويل أم مجرد “تصحيح مسار” تفرضه طبيعة الأسواق التي لا تتحرك أبداً في خطوط مستقيمة.

إن التاريخ القريب والبعيد لبورصة الدار البيضاء يؤكد أن التحركات العنيفة، رغم قسوتها اللحظية، غالباً ما تكون رد فعل مبالغاً فيه لصدمات خارجية مؤقتة، وهو ما يعيدنا إلى القاعدة الذهبية التي تقول إن الأسواق تتنفس عبر دورات متعاقبة من الصعود والهبوط، وأن فهم هذه الديناميكية هو الفارق الوحيد بين المستثمر الاستراتيجي والمضارب المنفعل.

وبالنظر إلى المشهد من زاوية أوسع، نجد أن السوق المغربي يمتلك “ذاكرة فولاذية” تجاه الأزمات؛ فقد سبق أن امتص صدمات أعمق بكثير، بدءاً من الأزمة المالية العالمية ومروراً بزلزال “كوفيد-19” الذي هوى بالمؤشر بأكثر من 20%، وصولاً إلى تداعيات حرب أوكرانيا وموجات التضخم العالمي، وفي كل تلك المحطات، كانت البورصة تعود لترميم جراحها واستئناف مسارها الصعودي بمجرد انقشاع سحب الغموض.

واليوم، لا تبدو المؤشرات الاقتصادية للشركات المدرجة في دائرة الخطر، بل على العكس تماماً؛ فالأرقام تتحدث عن استمرارية في تحقيق الأرباح وتدفقات قوية للمستثمرين المؤسساتيين، خاصة وأن السوق كان قد بلغ ذروة تاريخية في غشت 2025 باقترابه من مستوى 20.340 نقطة، ما يجعل التراجع الحالي بمنزلة “تجربة نفسية” ضرورية لترسيخ نضج المستثمرين الجدد الذين اعتادوا على المكاسب السريعة في العامين الماضيين.

إن ما يعزز الثقة في قدرة السوق على التعافي هو الموقف السيادي القوي للمملكة، المتمثل في استعادة تصنيف “درجة الاستثمار” (Investment Grade) من وكالة “إس آند بي جلوبال”، وتجاوز القيمة السوقية للبورصة حاجز 1000 مليار درهم لأول مرة، مما يمنحها عمقاً يحميها من الانجراف الكامل وراء التوقعات القاتمة.

ومع تقديرات تشير إلى نمو أرباح الشركات المدرجة بنسبة 20% في الأشهر المقبلة، يصبح التصحيح الحالي فرصة لإعادة تقييم المحافظ الاستثمارية بدلاً من كونه حكماً نهائياً بالخروج؛ فالثبات الانفعالي والتركيز على الأساسيات الاقتصادية الصلبة يظلان صمام الأمان الحقيقي، لأن الأسواق مهما “مرضت” بفعل الأنباء السياسية، تظل دائماً مدفوعة في النهاية بقوة الأداء المالي والنمو الاقتصادي الحقيقي الذي لا ينكسر أمام التقلبات العابرة.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى