البنك الدولي : نمو المغرب يصطدم باختلالات سوق العمل وبطء الرقمنة

رغم الدينامية الإيجابية التي يشهدها الاقتصاد المغربي خلال الفترة الأخيرة، حذر البنك الدولي من استمرار عدد من التحديات الهيكلية التي قد تؤثر على وتيرة النمو المستقبلي، وفي مقدمتها هشاشة سوق الشغل، وضعف إدماج النساء والشباب، وبطء اعتماد الشركات للتكنولوجيات الرقمية الحديثة، إضافة إلى تداعيات التوترات الجيوسياسية وتقلبات أسعار الطاقة.
وأكدت المؤسسة المالية الدولية، في تقريرها الأخير حول المغرب بعنوان “ترسيخ النمو.. التحول الرقمي كرافعة للإنتاجية”، أن المملكة تمكنت من تحقيق انتعاش اقتصادي لافت خلال سنة 2025، مدعومة بتحسن أداء عدد من القطاعات وارتفاع الاستثمارات، غير أن تعزيز هذا المسار يظل رهيناً بقدرة الاقتصاد على رفع الإنتاجية وتسريع التحول الرقمي ومعالجة اختلالات سوق العمل.
وأوضح التقرير أن الاقتصاد المغربي نجح في مضاعفة وتيرة خلق فرص الشغل خلال السنة الماضية، إلا أن سوق العمل لا يزال يعاني من اختلالات عميقة، إذ يوجد حوالي 22.5 في المائة من السكان النشيطين في وضعيات مرتبطة بالبطالة أو العمل الناقص أو التوقف عن البحث عن وظيفة، وهو ما يعكس استمرار الضغوط التي تواجه سوق التشغيل.
وأشار البنك الدولي إلى أن هذه الإشكالات تتفاقم بشكل أكبر لدى فئتي الشباب والنساء، حيث لا تزال مشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي محدودة، إذ لا تتجاوز 17.5 في المائة، ما يجعل المغرب ضمن المراتب الأخيرة عالمياً في هذا المؤشر. كما كشف التقرير أن نحو 884 ألف شخص يرغبون في العمل لكنهم توقفوا عن البحث عن وظيفة، أغلبهم في المناطق الحضرية.
وأضاف التقرير أن ضعف حضور النساء في سوق الشغل يرتبط بمجموعة من العوامل، من بينها محدودية فرص العمل، والفوارق في الأجور، وصعوبات التنقل، إضافة إلى غياب ظروف مهنية أكثر ملاءمة للأسر ونقص خدمات رعاية الأطفال.
كما سجل البنك الدولي استمرار الصعوبات التي تواجه الشباب عند الانتقال من التعليم إلى سوق العمل، موضحاً أن الفئات الأقل تعليماً تواجه تحدي نقص المهارات الأساسية المطلوبة في الوظائف الحديثة، في حين يعاني خريجو التعليم العالي من محدودية فرص العمل التي تتناسب مع مؤهلاتهم وتكوينهم.
وفي إطار التحولات الاقتصادية التي يعرفها المغرب، أشار التقرير إلى أن سوق الشغل يشهد تغيرات هيكلية متواصلة، أبرزها تراجع الوزن النسبي للقطاع الفلاحي في التشغيل، حيث انخفضت نسبة العاملين في الزراعة من 42.8 في المائة سنة 2019 إلى 37.5 في المائة سنة 2025، مقابل ارتفاع تدريجي في عدد العاملين بالمجالات الحضرية.
وفي الجانب الخارجي، حذر البنك الدولي من تداعيات استمرار التوترات في منطقة الشرق الأوسط على الاقتصاد المغربي، خصوصاً من خلال ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة تكاليف الاستيراد.
وأوضح التقرير أن المغرب، باعتباره مستورداً صافياً للنفط، يظل عرضة لتقلبات الأسواق العالمية، وهو ما قد ينعكس على معدلات التضخم، والقدرة الشرائية للأسر، وتكاليف الإنتاج بالنسبة للمقاولات، إلى جانب التأثير على التوازنات المالية والخارجية.
وأكد البنك أن الارتفاعات الحادة في أسعار النفط غالباً ما تؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية، وتراجع القدرة التنافسية للصادرات، وارتفاع تكاليف الإنتاج، فضلاً عن الضغط على الموارد المالية للدولة.
وبحسب توقعات المؤسسة الدولية، فإن الاقتصاد المغربي مرشح لتحقيق نمو بنسبة 4.2 في المائة خلال سنة 2026، غير أن هذه التوقعات تقل بـ 0.8 نقطة مئوية عن التقديرات السابقة، بسبب تأثيرات الصراع في الشرق الأوسط واستمرار اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.
كما حذر التقرير من انعكاسات هذه الأزمة على القطاع الفلاحي، خاصة مع توقع ارتفاع أسعار الأسمدة بنسبة 38 في المائة خلال 2026، واحتمال تأثر صادرات الأسمدة الفوسفاطية.
وأشار البنك الدولي إلى أن تصاعد المخاطر الجيوسياسية قد يؤدي إلى إضعاف ثقة المستثمرين، واتساع الاختلالات الخارجية والمالية، مؤكداً في الوقت ذاته أن التغيرات المناخية والجفاف يظلان من أكبر التحديات التي تواجه النمو، لما لهما من تأثير مباشر على الإنتاج الزراعي والتشغيل القروي وأسعار المواد الغذائية.
وفي ما يتعلق بالتكنولوجيا، أكد البنك الدولي أن مستقبل النمو الاقتصادي بالمغرب سيكون مرتبطاً بمدى قدرة الشركات على اعتماد حلول رقمية متقدمة، مشيراً إلى أن مستوى الرقمنة داخل المقاولات المغربية لا يزال أقل من طموحات المملكة.
وأوضح التقرير أن أقل من خُمس الشركات المغربية تستخدم بشكل مكثف تقنيات حديثة، مثل أنظمة تدبير المؤسسات، ومنصات إدارة علاقات العملاء، وأدوات التجارة الإلكترونية، مقارنة بمستويات أعلى في الاقتصادات المتقدمة.
واعتبر البنك أن تسريع الرقمنة يمثل فرصة كبيرة لتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، مشيراً إلى أن الشركات التي تعتمد التكنولوجيا بشكل أكبر يمكن أن تحقق ارتفاعاً في الإنتاجية يصل إلى 70 في المائة، وزيادة في التوظيف بنحو 10 في المائة، فضلاً عن ارتفاع متوسط الأجور بنسبة تقارب 27 في المائة.
وأكد التقرير أن تقليص الفجوة الرقمية بين المغرب والدول ذات الأداء الاقتصادي المماثل يمكن أن يساهم في رفع الإنتاجية الإجمالية للاقتصاد الوطني بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة.
ورغم هذه التحديات، أشاد البنك الدولي بالأداء الاقتصادي للمغرب، مؤكداً أن المملكة تعيش واحدة من أقوى مراحل النمو خلال أكثر من عشر سنوات.
وقدّر التقرير نمو الناتج الداخلي الخام الحقيقي بنسبة 4.9 في المائة خلال سنة 2025، مدفوعاً بتحسن أداء قطاعات الفلاحة والسياحة والتعدين والبناء والصناعة، إلى جانب الاستثمارات الكبرى المرتبطة بمشاريع البنية التحتية والاستعدادات الخاصة بتنظيم كأس العالم لكرة القدم 2030.
كما سجل البنك استمرار استقرار التضخم عند مستويات منخفضة بلغت 0.8 في المائة، بفضل السياسة النقدية التي يعتمدها بنك المغرب، مشيراً إلى تحسن وضعية المالية العمومية بعد تراجع عجز الميزانية إلى 3.5 في المائة من الناتج الداخلي الخام خلال 2025.
وأضاف التقرير أن الدين العمومي للحكومة المركزية استقر في حدود 67 في المائة من الناتج الداخلي الخام، فيما حافظ المغرب على وضع خارجي متوازن بفضل احتياطيات من العملة الصعبة تغطي ما بين خمسة وستة أشهر من الواردات.
وفي السياق ذاته، اعتبر البنك الدولي أن رفع وكالة ستاندرد آند بورز للتصنيف السيادي للمغرب إلى مستوى الدرجة الاستثمارية يعكس تحسن ثقة الأسواق الدولية في الاقتصاد الوطني، رغم استمرار رهانات كبرى مرتبطة بالتشغيل، والرقمنة، ومواجهة الصدمات الخارجية.




