اقتصاد عالمي مضطرب: هل حان وقت إعادة توزيع القوة والثروة؟

مع اتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء وتزايد الاضطرابات العالمية، يتساءل الكثيرون اليوم: هل يمكن إعادة بناء الاقتصاد العالمي ليكون أكثر عدلاً واستدامة؟ هذا السؤال ليس مجرد نقاش أكاديمي، بل أصبح محورًا لإعادة النظر في سياسات الاقتصاد والسياسة حول العالم.
كتاب “لماذا نصبح أكثر فقراً: دليل واقعي للاقتصاد وكيف نصلحه” للكاتب كاهال موران يقدم رؤية جريئة لهذه القضية، عبر تحليل عميق للبنية الاقتصادية الحالية وكشف الاختلالات التي تتغلغل في النظام العالمي، بدءًا من وهم الجدارة وصولًا إلى سياسات التضخم المضللة وهشاشة سلاسل الإمداد التي تهدد استقرار الدول والمجتمعات.
يصدر كتاب موران في وقت يشهد تصاعد النزعات الحمائية، الحرب الروسية–الأوكرانية، الصراعات في غزة، وتصاعد العنصرية والعداء للمهاجرين.
ويؤكد المؤلف أن هذه الأزمات ليست أحداثًا عشوائية، بل انعكاسات مباشرة لاقتصاد عالمي أنتج فجوات هائلة في الدخل، تفاوتًا بنيويًا مستمرًا، وتضخمًا مُنهكًا، وبيئة عمل غير مستقرة.
استنادًا إلى مناهج اقتصادية بديلة تشبه أعمال جوزيف ستيغليتز وها-جون تشانغ وأليكس توماس، يقدم موران نقدًا جذريًا للنظام الاقتصادي الذي يميل لصالح رأس المال على حساب العمال.
يشدد موران على أن النظام الاقتصادي الحالي صُمم ليبقي معظم الثروة في أيدي أصحاب رؤوس الأموال، بينما تظل الطبقات العاملة تواجه صعوبات كبيرة.
ويبرز المؤلف النفوذ السياسي للنخب الاقتصادية الذي مكنها من صياغة القوانين بما يخدم مصالحها، ما أدى إلى تقويض القوة التفاوضية للعمال وتفاقم الفجوة الاقتصادية.
ويستشهد بالأرقام: فقد ارتفع عدد المليارديرات عالميًا من 273 شخصًا بثروة 582 مليار دولار عام 1991 إلى 3,028 ملياردير بثروة 16.1 تريليون دولار عام 2025، بينهم ألف ملياردير جديد خلال عقد واحد.

بالمقابل، يشيد بالنموذج الألماني الذي يمنح العمال دورًا في إدارة الشركات والمشاركة في تحديد الأجور، معتبرًا أن هذا النظام يحد من تغوّل رأس المال.
يؤكد الكتاب أن النجاح الاقتصادي لا يحدده الجهد الفردي فقط. فالحراك الاجتماعي يتأثر بعدة عوامل متشابكة تشمل الفقر، والتحيزات الاجتماعية، والتعليم غير المتكافئ، والعلاقات الاجتماعية.
ويضرب موران مثالًا بالمملكة المتحدة، حيث يكسب العامل من خلفية ميسورة 25% أكثر من نظيره القادم من طبقة فقيرة، مشددًا على أن تحسين شبكات الحماية الاجتماعية هو عنصر أساسي لتحقيق المساواة في فرص النجاح والوصول إلى الطبقات الأعلى.
يشكك موران في أرقام البنك الدولي حول انخفاض معدلات الفقر عالميًا، معتبرًا أن تقديرات الانخفاض من 30% عام 1990 إلى 8.5% عام 2024 مبالغ فيها. ويقترح الدخل الأساسي الشامل لضمان حد أدنى من الدخل لكل أسرة، مع التنبيه إلى أن هذا الحل قد لا يكون قابلًا للتطبيق في جميع الدول إذا أثّر على التعليم أو الصحة أو الأمن الغذائي.
ويعتبر المؤلف أن الحل الأكثر استدامة يكمن في ضمان حق العمل اللائق دستورياً لكل مواطن، بدل الاعتماد الكامل على التحويلات النقدية.
تشخيص الاختلالات
يتناول الكتاب عدة ملفات أصبحت أساسية في النقاش الاقتصادي العالمي: | |
1- أزمة الإسكان العالمية | يعتبر موران أن ارتفاع أسعار السكن والأراضي والرهون والديون جعل السكن حقًا بعيد المنال. ويقترح: – فرض ضريبة على الأراضي لكبح الاحتكار. – بناء إسكان اجتماعي حكومي. – وضع سقوف للأسعار والإيجارات. – اعتماد نماذج تقدم السكن مجانًا كما في فنلندا. |
2- التضخم والسياسات النقدية | ينتقد موران الاعتماد على رفع الفائدة لكبح التضخم، معتبرًا أنها: تقلل التوظيف، وتؤذي الفئات الأكثر هشاشة، وتفشل في معالجة الأسباب الحقيقية للتضخم. ويقترح بدائل تشمل: دعم السلع الأساسية، وفرض سقوف على الأرباح والأسعار، وزيادة الاستثمار لرفع القدرة الإنتاجية. |
3- هشاشة سلاسل الإمداد العالمية | يوضح موران أن التركز الشديد للإنتاج العالمي جعل النظام التجاري هشاً، فالصين تنتج80% من الألواح الشمسية، و50% من لوحات الدوائر الإلكترونية،، بينما تصنع شركة تايوانية واحدة (TSMC) نصف أشباه الموصلات في العالم. هذا التركز يجعل أي اضطراب – كما حدث خلال جائحة كورونا – قادرًا على شلّ الاقتصاد العالمي. لذلك، يدعو إلى بناء مرونة في سلاسل الإمداد، وتشجيع التكرار والتوزيع الجغرافي للإنتاج. |
مع تراجع فعالية المؤسسات الدولية في عالم متعدد الأقطاب، أصبحت قراراتها غالبًا غير قابلة للتنفيذ. ومع ذلك، يدعو موران إلى إصلاحات لتعزيز ديمقراطية هذه المؤسسات مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، لتحويلها إلى أجهزة حوكمة عالمية حقيقية.
ويشير بعض المراجعين إلى أن هذه الفكرة قد تسمح للدول الغنية بالتأثير أكثر على سياسات الدول النامية، ما قد يزيد من اختلال موازين القوة بدل موازنته.
في ختام كتابه، يؤكد موران على ضرورة إعادة تصميم النظام الاقتصادي مع الاعتراف بالعلاقة العضوية بين السياسة والمجتمع والاقتصاد. ويطالب بدمقرطة الاقتصاد على جميع المستويات، مع التركيز على معالجة التفاوت، أزمة السكن، التضخم، وتداعيات سلاسل الإمداد المفرطة الاعتماد.
ويخلص الكتاب إلى أن معالجة المشكلات الاقتصادية العالمية تتطلب إطارًا جديدًا يعيد توزيع القوة والثروة، ويحوّل الاقتصاد إلى أداة لخدمة الإنسان، لا العكس.




