اقتصاد الفوضى.. كيف قلب ترامب الأسواق الأمريكية إلى ساحة للمضاربات السياسية

في قلب وول ستريت، لم تعد تحركات الأسواق المالية مجرد انعكاس للبيانات الاقتصادية أو أداء الشركات، بل أصبحت مسرحًا لتقلبات سياسية حادة مرتبطة مباشرة بتصريحات الرئيس دونالد ترامب وسياساته. فبين القرارات التنفيذية والتغريدات المثيرة، أضحى تأثير البيت الأبيض على الأسواق غير مسبوق، ما دفع المحللين إلى التساؤل عن حدود نزاهة النظام المالي الأمريكي وقدرة الجهات الرقابية على ضبط اللعبة.
منذ الولاية الأولى، لاحظ متداولون تحركات ضخمة لمليارات الدولارات في عقود “إي-ميني” الآجلة قبل دقائق من إعلانات ترامب التجارية، لتتضح لاحقًا أرباح مذهلة لبعض المطلعين، وصلت إلى 1.5 مليار دولار في أغسطس 2019، ما أثار مخاوف من تسريبات لمعلومات داخلية تصب في صالح مستثمرين محددين.
ابتكر ترامب نمطًا مضاربيًا يعتمد على إطلاق تهديدات سياسية متطرفة ثم التراجع عنها فجأة، ما يولد ارتدادات عنيفة في الأسعار ويتيح للمطلعين فرصة الشراء عند القاع والبيع عند القمة. تجلت هذه الاستراتيجية في أكثر من 50 تعديلًا للتعريفات الجمركية خلال ولايتيه، ما حول السياسة العامة إلى أداة مضاربة فعالة.
أكبر الارتفاعات اليومية في الثروة (مؤشر بلومبرج للمليارديرات) | |
التاريخ | قيمة الزيادة في الثروة (مليار دولار) |
9 أبريل 2025 | 304 |
16 مارس 2022 | 233 |
24 مارس 2020 | 228 |
9 مارس 2022 | 178 |
10 نوفمبر 2022 | 166 |
31 يناير 2022 | 156 |
4 نوفمبر 2022 | 156 |
6 أبريل 2020 | 154 |
25 فبراير 2022 | 153 |
4 أكتوبر 2022 | 152 |
في 2 أبريل 2025، أدى توقيع ترامب أمرًا تنفيذياً للتعريفات الشاملة إلى محو نحو 10 تريليونات دولار من الثروات العالمية وهبوط مؤشر “إس آند بي 500” بنحو 5%.
وبعد أربعة أيام فقط، غرد ترامب بأن “هذا وقت رائع للشراء”، ما رفع السوق 9.5% خلال ساعات، بينما أضاف كبار المليارديرات نحو 300 مليار دولار لثرواتهم في يوم واحد، وقفز سهم ترامب ميديا 23%، مقابل انهيار سهم تسلا بنسبة 14.2% بسبب خلافات حول مشروع قانون الضرائب.
لم يتوقف التأثير عند الأسواق المالية فحسب، بل امتد إلى قطاع الطاقة. فقد منح ترامب طهران مهلة 48 ساعة لإعادة فتح مضيق هرمز، مهددًا بمحو محطات الطاقة الإيرانية، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل كبير. ثم عادت الأسعار للانخفاض بعد إعلان مفاوضات، مع تسجيل تداولات قياسية بلغت 650 مليون دولار قبل دقائق من الإعلان الرسمي، ما يعزز اتهامات التلاعب المنهجي في سوق الطاقة.
أسفر النهج الرئاسي عن إضعاف هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، بإصدار أوامر تنفيذية تلزمها بالحصول على موافقة البيت الأبيض قبل أي إجراءات، وفقدان 19% من موظفيها عبر التقاعد القسري، ما جعل الأسواق أكثر عرضة للمضاربات القائمة على معلومات داخلية، في وقت تعيين قيادات تتبنى نهج التنظيم المخفف.
تشير الصحفية آن أبلباوم إلى أن هذا النمط حول السياسة الأمريكية لخدمة المصالح الشخصية للرئيس وأصدقائه، بما يهدد بتقويض تكافؤ الفرص وتحويل البلاد إلى نموذج “دولة اللصوص”، حيث تصبح المصالح الخاصة هي المحرك الأساسي للقرارات السيادية، ويصبح الاقتصاد معرضًا للفساد والمحسوبية.
أضحى “سوق ترامب” نموذجًا لمستثمرين مرتبطين بالسلطة أكثر من ارتباطهم بالأداء المالي، مع تحول ترامب ميديا إلى رمز للاقتصاد القائم على الولاء السياسي والتقلبات الرئاسية.
ومع التحذيرات الأكاديمية من أن هذه الفوضى تهدد الثقة العالمية بالنظام المالي الأمريكي، يظل السؤال مطروحًا: هل سينجح ترامب في تحويل الاقتصاد العالمي إلى امتداد لإمبراطوريته الخاصة، أم ستفرض الأسواق أخيرًا قواعد النزاهة والشفافية؟




