اضطرابات مضيق هرمز تشعل أسعار القمح وتهدد الأمن الغذائي العالمي

تشهد الأسواق العالمية موجة اضطرابات متصاعدة بفعل استمرار الحرب في الشرق الأوسط، حيث امتدت تداعياتها إلى قطاع الغذاء، محدثة ضغوطًا غير مسبوقة على سلاسل الإمداد، خصوصًا في ما يتعلق بالقمح والمدخلات الزراعية الأساسية.
وأدى إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية، إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، ما انعكس مباشرة على أسعار القمح، في ظل تعطل تدفقات الأسمدة النيتروجينية والأمونيا التي تمثل جزءًا كبيرًا من الإمدادات العالمية.
و في هذا السياق، تتزايد المخاوف من دخول موسم الزراعة في نصف الكرة الشمالي تحت ضغط نقص حاد في المدخلات الزراعية. وحذرت منظمات دولية من سيناريوهات صعبة قد تصل إلى تراجع الإنتاج أو حتى فشل المحاصيل في بعض المناطق.
وأشار برنامج الأغذية العالمي إلى أن المزارعين، خصوصًا في الدول النامية، يواجهون تحديات غير مسبوقة، إذ يعتمدون بشكل كبير على الواردات القادمة من منطقة الخليج. ويأتي هذا النقص في توقيت حساس يتزامن مع بداية الموسم الزراعي، ما يضاعف من حجم المخاطر.
وفي حال استمرار الأزمة، من المرجح أن ترتفع تكاليف الإنتاج الزراعي بشكل ملحوظ، وهو ما سينعكس لاحقًا على أسعار الغذاء العالمية خلال العام المقبل.
تتباين درجة التأثر بين الدول، غير أن الاقتصادات الأكثر هشاشة تبدو الأكثر عرضة للضرر. فبعض الدول الإفريقية، مثل إثيوبيا، تعتمد بشكل شبه كامل على واردات الحبوب والأسمدة التي تمر عبر ممرات بحرية مرتبطة بالخليج، ما يجعلها في مواجهة مباشرة مع تداعيات الأزمة.
كما أن الضغوط الحالية لا تقتصر على جانب الإمدادات فقط، بل تمتد إلى هوامش أرباح المزارعين، التي تتآكل بفعل ارتفاع التكاليف مقابل أسعار حبوب لا تزال دون مستويات الذروة التاريخية. هذا الوضع قد يدفع العديد من المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة بالقمح أو التحول إلى محاصيل بديلة أكثر ربحية.
وفي الولايات المتحدة، تشير تقديرات حديثة إلى احتمال تراجع المساحات المزروعة بالقمح إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات، في ظل استمرار اضطرابات سلاسل التوريد.
من جهة أخرى، تتجه التوقعات نحو ارتفاع واسع في أسعار الغذاء عالميًا خلال الفترة المقبلة. وتشير تحليلات متخصصة إلى أن الأسعار قد تتجاوز مستويات ما قبل الأزمة بنسبة تتراوح بين 12% و18% بحلول نهاية عام 2026، حتى في حال توقف النزاع بشكل فوري.
ولا يُستبعد أن تستمر هذه الضغوط حتى عام 2027، مع احتمال تسجيل مستويات قياسية جديدة، خاصة إذا استمرت اختناقات سلاسل الإمداد أو تأخر تعافي الإنتاج الزراعي.
وتفاقمت الأزمة بفعل الارتفاع الحاد في أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، والتي قفزت بشكل كبير خلال فترة قصيرة، ما أدى إلى زيادة تكاليف النقل البحري وتأخير وصول الشحنات الحيوية.
هذه العوامل مجتمعة انعكست بشكل واضح على الأسواق الناشئة، لا سيما في الدول العربية، التي شهدت ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار القمح والسلع الأساسية، في ظل اعتمادها الكبير على الواردات.
يرى خبراء أن تداعيات هذه الأزمة لن تكون قصيرة الأمد، إذ من المرجح أن تستمر آثارها على الأسواق الزراعية والغذائية لفترة طويلة، حتى في حال انتهاء الحرب قريبًا، بسبب الوقت اللازم لإعادة بناء سلاسل الإمداد واستعادة التوازن في الإنتاج العالمي.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن العالم مقبل على مرحلة جديدة من التقلبات في أسعار الغذاء، ما يعيد ملف الأمن الغذائي إلى صدارة الأولويات الاقتصادية والسياسية على مستوى العالم.




