ارتفاع أسعار النفط يضع الصين أمام مرحلة تضخمية غير متوقعة

مع تصاعد أسعار النفط العالمية بفعل الحرب في إيران، شهدت الصين كسر أطول موجة انكماش في أسعار المنتجين قبل الموعد المتوقع، ما يثير تساؤلات حول تأثير ذلك على الاقتصاد المحلي.
قبل بدء التوترات في الشرق الأوسط، كان معظم الاقتصاديين يتوقعون استمرار أسعار المنتجين في الصين ضمن مسار الانخفاض الذي استمر ثلاث سنوات ونصف خلال 2026. لكن ارتفاع تكاليف الطاقة العالمية دفع توقعات البنوك الدولية، بما في ذلك “سيتي غروب” و”غولدمان ساكس”، إلى إعادة النظر، مع تسجيل أسعار المستهلكين ارتفاعاً تدريجياً.
ويعد الخروج من الانكماش لحظة محورية بالنسبة للصين، التي منذ إعادة فتح اقتصادها بعد جائحة كورونا، واجهت فائض المعروض الصناعي وضعف الطلب الاستهلاكي، ما أدى إلى حروب أسعار شديدة قلّصت أرباح الشركات وبطأت نمو الأجور.
الخبراء يحذرون من أن التضخم الناتج عن ارتفاع أسعار النفط لا يحقق دائماً آثاراً إيجابية. فبينما ساعد ارتفاع تكاليف الطاقة اليابان على الخروج من عقود من الانكماش بعد الحرب في أوكرانيا، فإن الصين تواجه ظروفاً مختلفة، حيث لا تقلل صدمة مؤقتة في الأسعار من فائض الطاقة الإنتاجية أو تحفز الإنفاق الاستهلاكي.
وقال لاري هو، رئيس اقتصاديات الصين لدى “ماكواري غروب”: “ليست كل أشكال التضخم متشابهة. التضخم المستورد سيكون سلبياً للصناعات اللاحقة في سلسلة القيمة. نريد أن نرى تضخماً أعلى ناتجاً عن طلب محلي عضوي أفضل”.
رغم أن الصين أكثر حماية من صدمات أسعار النفط مقارنة بالعديد من الاقتصادات الأخرى بفضل استثماراتها في الطاقة المتجددة، فإن ارتفاع الأسعار بنسبة 10% على أساس سنوي قد يزيد مؤشر أسعار المنتجين بنحو 0.4 نقطة مئوية، وفق تقديرات “غافيكال دراغونوميكس” و”يوكاي سيكيوريتيز”.
مع ارتفاع أسعار الخام إلى أكثر من 100 دولار للبرميل منذ بداية الأعمال القتالية في إيران، يواجه قطاع التصنيع ضغوطاً متزايدة على هوامش الربحية، خصوصاً في الصناعات التي تعتمد على النفط والكيماويات والبلاستيك والمطاط. وبلغت نسبة الشركات الصناعية الخاسرة في الصين 24% عام 2025، الأعلى منذ بداية القرن.
وأشار دنكان ريغلي، كبير الاقتصاديين لدى “بانثيون ماكروإيكونوميكس”، إلى أن أرباح واستثمارات التصنيع ستتأثر، خاصة شركات السيارات التقليدية، إلى جانب مجموعة واسعة من الصناعات اللاحقة التي تعتمد على النفط والمواد البلاستيكية.
على الرغم من تأثير ارتفاع الأسعار على الإنتاج، يظل أثره على مؤشر أسعار المستهلكين محدوداً، نظراً لأن السلع المرتبطة بالنفط تشكل أقل من 2% من سلة المستهلك. ويقدّر اقتصاديون أن تضخم المستهلكين سيبقى حول 1%، أي أقل بكثير من الهدف الحكومي.
ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن صدمة سعرية مؤقتة قد تساعد في إعادة ضبط توقعات التضخم لدى الأسر والشركات، ما يتيح للصين فرصة الخروج من دورة انخفاض الأسعار وضعف الطلب، مستلهمة تجربة اليابان بعد الحرب في أوكرانيا وارتفاع أسعار الطاقة.
في ضوء تحسن توقعات الأسعار، بدأت مؤسسات مالية عالمية بتأجيل توقعاتها بشأن تخفيف السياسة النقدية، مع احتمال أن يتجنب صناع القرار خفض أسعار الفائدة أو تقليل الاحتياطي الإلزامي للبنوك إلا في حال مواجهة ضغوط حقيقية على النمو.
ويظل السيناريو الأمثل للصين هو تحول ارتفاع أسعار النفط المؤقت إلى “حلقة تغذية إيجابية”، حيث يساعد التضخم على تحفيز الطلب المحلي دون إلحاق ضرر كبير بالاقتصاد.




