اقتصاد المغربالأخبار

إلزامية البريد الإلكتروني في الدعاوى التجارية تثير تساؤلات قانونية

أعاد دخول مقتضيات قانون المسطرة المدنية الجديد إلى دائرة النقاش المهني طرح تساؤلات بشأن حدود الشروط الشكلية المفروضة على المتقاضين، خصوصاً في ما يتعلق بالبيانات الإلكترونية الواجب تضمينها في المقالات الافتتاحية للدعاوى.

ويبرز هذا الإشكال على خلفية تداول معطيات تفيد باحتمال عدم قبول دعاوى تجارية بسبب غياب البريد الإلكتروني للشركات المدعى عليها، في وقت لا تتوفر فيه، وفق المعطيات المتداولة، قرارات قضائية منشورة تسمح بالتحقق من هذه الوقائع وتحديد نطاقها.

ويتركز الجدل حول تفسير المادة 77 من القانون رقم 58.25، ومدى إلزام المدعي بتقديم عنوان البريد الإلكتروني للطرف المقابل، حتى في الحالات التي يتعذر فيها الحصول على هذه المعلومة. ويطرح هذا الوضع إشكالية التوفيق بين متطلبات تحديث الإجراءات القضائية من جهة، وضمان حق الأفراد والمقاولات في الولوج إلى القضاء من جهة أخرى.

ورغم التفاعل الذي أثارته القضية في أوساط المحامين والمهتمين بالشأن القانوني، فإن المنشورات المتداولة لم تتضمن، بحسب المعطيات المتاحة، حكماً محدداً يمكن الرجوع إليه للتحقق من المحكمة التي أصدرته ورقم الملف والتعليل المعتمد، وهو ما يستدعي التعامل بحذر مع الحديث عن وجود توجه قضائي مستقر في هذا الشأن.

يرتبط جوهر النقاش بمدى إمكانية مطالبة المدعي بالإدلاء ببيانات إلكترونية تخص الطرف الآخر، خاصة عندما يتعلق الأمر بشركة لا تنشر عنوان بريدها الإلكتروني أو لا توفر وسيلة واضحة للحصول عليه.

وفي هذا السياق، حذر المحامي إبراهيم الحداد، المنتمي إلى هيئة المحامين بطنجة، في تحليل نشره يوم 8 أكتوبر، من التداعيات المحتملة لفرض تقديم عنوان إلكتروني دون توفير آلية عمومية تتيح الوصول إليه. ويطرح هذا الموقف تساؤلاً حول مدى جواز ترتيب آثار إجرائية على المتقاضي بسبب غياب معلومة قد لا تكون في متناوله.

من جانبه، تناول المحامي ياسين صبار، من هيئة المحامين بمراكش وورزازات، المسألة من زاوية التمييز بين البيانات المتعلقة بالمدعي وتلك الخاصة بالمدعى عليه، مشدداً على أهمية مراعاة طبيعة المعلومات المطلوبة ومدى إمكانية الحصول عليها عند تحديد نطاق الالتزامات المسطرية.

ويعيد هذا الجدل التأكيد على ضرورة أن تكون المتطلبات الإجرائية واضحة وقابلة للتنفيذ، بما يضمن تنظيم التقاضي دون تحميل الأطراف مسؤولية توفير معطيات يتعذر عليهم الوصول إليها بوسائل معقولة.

ويزداد النقاش تعقيداً عند استحضار المادة 627 من قانون المسطرة المدنية الجديد، التي تتناول التصريح بالعناوين الإلكترونية للأشخاص الاعتباريين الخاضعين للقانون الخاص ضمن المنظومة الرقمية للعدالة.

وتطرح هذه المقتضيات تساؤلات بشأن مدى الانسجام بين البيانات المطلوبة عند رفع الدعوى والقواعد المنظمة للتصريح بالعناوين الإلكترونية، لا سيما في حال كان هذا التصريح اختيارياً بالنسبة إلى الأشخاص الاعتباريين المعنيين، وفق القراءة القانونية المتداولة.

فإذا تعذر على المدعي معرفة البريد الإلكتروني للشركة التي يعتزم مقاضاتها، فإن الإشكال لا يتعلق فقط باستكمال خانة ضمن المقال الافتتاحي، بل أيضاً بمدى توافر الوسائل التي تسمح له بالوفاء بهذا الالتزام.

ومن ثم، تبرز الحاجة إلى توضيح العلاقة بين المادتين 77 و627، وتحديد نطاق مسؤولية كل طرف عن تقديم البيانات الإلكترونية، بما يحد من اختلاف التأويل ويضمن وضوح المساطر بالنسبة إلى المتقاضين والمهنيين.

تكتسي هذه المسألة أهمية خاصة في المنازعات التجارية، إذ قد يتوفر المدعي على الاسم القانوني للشركة المدعى عليها وعنوان مقرها وبيانات تسجيلها، دون أن يتمكن من تحديد بريدها الإلكتروني المعتمد.

وفي حال تبني تفسير متشدد للشروط الشكلية، فإن غياب هذه المعلومة قد يثير نقاشاً حول مدى تناسب جزاء عدم القبول مع طبيعة النقص المسجل، وإمكانية استكمال البيانات قبل ترتيب أي أثر إجرائي، وفق القواعد القانونية المطبقة على كل حالة.

كما يطرح الموضوع إشكالية تكافؤ فرص التقاضي، بالنظر إلى تفاوت قدرة الأفراد والمقاولات على الوصول إلى المعلومات الرقمية، خصوصاً عندما تكون هذه البيانات خاضعة للطرف الذي يرغب المدعي في مقاضاته.

ويظل التحدي الأساسي هو ضمان احترام القواعد المسطرية دون أن تتحول المتطلبات التقنية إلى عائق غير متناسب أمام عرض النزاعات على المحاكم، مع مراعاة التوازن بين فعالية الإجراءات وحماية حقوق الأطراف.

في انتظار توفر قرارات قضائية موثقة بشأن الوقائع المتداولة، تبرز أهمية التمييز بين النقاش القانوني حول تفسير المادة 77 وبين الادعاءات المتعلقة بصدور أحكام بعدم قبول دعاوى تجارية بسبب غياب البريد الإلكتروني للمدعى عليه.

ومن شأن نشر الأحكام ذات الصلة أو تقديم توضيحات مؤسساتية بشأن البيانات المطلوبة وطرق استكمالها أن يساعد على توحيد الممارسة القضائية وتوفير رؤية أكثر وضوحاً للمتقاضين والمحامين.

ولا يقتصر هذا النقاش على مسألة تقنية مرتبطة بالبريد الإلكتروني، بل يمتد إلى كيفية تنزيل رقمنة العدالة مع الحفاظ على الضمانات الأساسية للتقاضي.

فنجاح هذا التحول يظل رهيناً بقدرة المنظومة القضائية على تبسيط الإجراءات وتوضيح الالتزامات، دون أن تتحول الشكليات إلى عقبات تحد من إمكانية اللجوء إلى القضاء.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى