رواندا: من جراح الماضي إلى آفاق التنمية الاقتصادية

عند زيارتك لأول مرة إلى العاصمة الرواندية كيغالي، لا يمكن أن يغيب عن عينك جمال الطبيعة التي تزين المدينة. الشوارع نظيفة، والأزقة مرتبة، والمباني منتظمة، بينما تسود المساحات الخضراء كل زاوية من زوايا المدينة.
الأشجار والزهور تملأ كل مكان، ولا يكاد يُرى سوى اللون الأخضر.
لكن ما يميز هذه المدينة أكثر من طبيعتها الخلابة هو القصة الإنسانية التي تجسدها. ففي وقت تعاني فيه العديد من البلدان من آثار التغيرات المناخية وقلة المياه، تأخذك رواية رواندا إلى مكان آخر.
و رغم مرور ثلاثة عقود فقط على الإبادة الجماعية التي شهدتها البلاد، أصبح هذا البلد الأفريقي نموذجًا للتعافي والازدهار. في عام 1994، عندما شهدت رواندا أبشع موجة إبادة ضد أقلية التوتسي، قُتل أكثر من 800 ألف شخص في مئة يوم فقط.
ولكن خلال 30 عامًا، تمكنت رواندا من تجاوز الجراح وبناء اقتصاد يعد من الأسرع نموًا في إفريقيا.
سيرج رويغامبا، مسؤول العلاقات الخارجية في “مركز النصب التذكاري للإبادة الجماعية” في كيغالي، يؤكد أن السلام والأمن هما الركيزتان اللتان قام عليهما نجاح البلاد.
حيث يقول إن “لا يمكن تصور تحقيق التنمية أو اقتصاد مزدهر في بلد مثقل بالجراح مثل رواندا دون تحقيق الأمن والسلام”.
وتُعزى السياسة الحكومية الحالية إلى هدف تحقيق الوحدة الوطنية وتعزيز التسامح والمصالحة بين أفراد المجتمع الرواندي، وهو ما يعد أساسًا لبناء اقتصاد قوي ومستدام.
متحف كيغالي، الذي استقبل أكثر من 144 ألف زائر في عام 2023، يعد أحد أقطاب الذاكرة الوطنية التي تروي قصة الإبادة الجماعية، حيث يوضح الزوار حجم المأساة التي تعرض لها الشعب الرواندي. يُقدر أن أكثر من 250 ألف ضحية دفنوا في هذا المركز، الذي يمثل شاهدًا حيًا على معاناة الماضي وأملًا للمستقبل.
و تضم الحدائق داخل المتحف العديد من المساحات التي تحكي قصصًا مؤلمة، لكنها تحمل أيضًا رسائل أمل وصمود، مثل تكريم النساء الروانديات والرمز إلى الحاجة الماسة للمصالحة وتجنب العنف.
المتحف لا يقتصر على تقديم التاريخ بل يشمل أيضًا برامج تعليمية تهدف إلى غرس قيم المسؤولية والتسامح في الأجيال المقبلة، حيث يتم تدريب المعلمين لتعليم الطلاب على “النقد الذاتي والتعاطف”.
كما تلعب المتاحف الأخرى المنتشرة في رواندا دورًا في توعية الزوار حول مآسي الماضي وتعليم المجتمع ضرورة تجنب تكرارها.
و في الوقت الذي يتطلع فيه الزوار لتعلم دروس من الماضي، تواصل رواندا تقدمها الاقتصادي على كافة الأصعدة. حقق الاقتصاد الرواندي نموًا ملحوظًا في عام 2023 بنسبة 8%.
يعتمد هذا النمو بشكل رئيسي على قطاع الزراعة الذي يساهم بـ27% من الناتج المحلي، بالإضافة إلى القطاع الصناعي (18%) والقطاع السياحي، الذي يستقطب أكثر من 1.4 مليون سائح سنويًا.
هذا التنوع في الاقتصاد يعكس تطورًا شاملًا يسهم في تحسين مستوى المعيشة لسكان البلاد البالغ عددهم أكثر من 14.5 مليون نسمة.
يعتقد ميدارد باشانا، مدير “متحف الحملة ضد الإبادة الجماعية”، أن الوحدة الوطنية والعدالة الاجتماعية هي مفاتيح النهوض بالاقتصاد الرواندي. وأكد أن القضاء على الفساد وتعزيز العلاقات الدولية يساعدان في دعم الاقتصاد الوطني. كما أشار إلى أهمية السياسة الديمقراطية والرغبة في بناء اقتصاد قائم على أسس العدالة والتنمية المستدامة.
باختصار، تمكنت رواندا من التحول من دولة مزقتها الحروب إلى دولة قائدة في إفريقيا في مجال التنمية الاقتصادية والتسامح الاجتماعي. والآن، من خلال الاستثمار في التعليم والبنية التحتية والزراعة، تفتح رواندا أبوابًا واسعة لمستقبل مشرق لشعبها وللقارة بأسرها.