اقتصاد المغرب

الساحل الأطلسي المغربي يبرز كوجهة واعدة لمشاريع الطاقة الهجينة

تتجه المناطق الجنوبية من الساحل الأطلسي المغربي إلى ترسيخ مكانتها كإحدى المناطق الواعدة لتطوير مشاريع الطاقة المتجددة متعددة المصادر، بعدما أظهرت دراسة علمية حديثة إمكانية الجمع بين طاقة الرياح والأمواج والطاقة الشمسية ضمن منظومات هجينة قادرة على تعزيز استقرار إنتاج الكهرباء النظيفة.

وكشفت الدراسة، المنشورة في مجلة Sustainable Energy Technologies and Assessments التابعة لدار النشر Elsevier، أن هذه المناطق تتمتع بمزيج متكامل من الموارد الطبيعية، استنادا إلى تحليل بيانات امتدت على مدى 43 عاما، بين 1981 و2023.

واعتمد الباحثون على مقارنة أربعة مجالات ساحلية، جرى تصنيفها تحت الرموز R1 وR2 وR3 وR4، بهدف قياس قوة الموارد المتاحة ومدى استقرارها والتكامل الزمني بينها، قبل ترتيب المناطق وفقا لمجموعة من المؤشرات والمعايير.

وأظهرت نتائج التقييم أن المنطقتين R3 وR4 جاءتا في صدارة الترتيب، بفضل توافر مستويات مرتفعة من طاقة الرياح والأمواج والإشعاع الشمسي في آن واحد، ما يمنحهما مؤهلات أكبر لاحتضان مشاريع تجمع أكثر من مصدر للطاقة داخل منظومة واحدة.

وتبرز أهمية هذا النموذج في اختلاف توقيت ذروة إنتاج كل مصدر من مصادر الطاقة. فالفترات التي ينخفض خلالها إنتاج أحد الموارد قد تتزامن مع ارتفاع مساهمة مصدر آخر، وهو ما يسمح بتعويض جزء من التراجع والحد من التقلبات التي تميز عادة مصادر الطاقة المتجددة.

وبهذا المعنى، لا ترتبط قوة المنظومة بوفرة الرياح أو الشمس أو الأمواج بشكل منفصل، وإنما بقدرة هذه الموارد على العمل بصورة تكاملية على مدار فترات زمنية مختلفة.

وترى الدراسة أن هذا النوع من التكامل يمكن أن يوفر مزايا إضافية عند تطوير مشاريع هجينة، خصوصا من خلال إمكانية الاستفادة المشتركة من بعض مكونات البنية التحتية، مثل مرافق الربط بالشبكة الكهربائية ومنشآت التحويل والنقل، إلى جانب بعض التجهيزات الساحلية.

وأفرد البحث حيزا مهما للعلاقة بين طاقة الرياح وطاقة الأمواج على طول الساحل الأطلسي، باعتبار أن المورد البحري يمكن أن يؤدي دورا مكملا للطاقة الريحية، التي تحظى حاليا بحضور أكبر ضمن منظومة الطاقات المتجددة.

وتزداد أهمية هذا التكامل عند إدخال الطاقة الشمسية ضمن المزيج، إذ إن اختلاف توقيت إنتاج المصادر الثلاثة يمكن أن يساهم في تشكيل منظومة أكثر توازنا وأقل تعرضا لتذبذب الإنتاج مقارنة بالاعتماد على مصدر واحد.

وتكتسب هذه الإمكانية أهمية خاصة بالنسبة إلى المناطق التي تجمع بين مستويات قوية من الموارد الثلاثة، مع اختلاف فترات توفرها وإنتاجها، وهو ما قد يسمح بتحسين استمرارية الإمدادات الكهربائية.

وقد تكون هذه المؤهلات ذات أهمية متزايدة بالنسبة إلى المشاريع الصناعية التي تحتاج إلى كميات كبيرة من الكهرباء منخفضة الكربون، وفي مقدمتها مشاريع الهيدروجين الأخضر ومشتقاته.

فمثل هذه المشاريع تتطلب إمدادات كهربائية مستقرة نسبيا لضمان استمرارية عمليات الإنتاج وتحسين مردودية الاستثمارات، وهو ما يجعل الجمع بين عدة مصادر متجددة خيارا يمكن أن يساهم في معالجة جزء من تحديات التذبذب المرتبطة بالطاقة الشمسية والرياح.

غير أن الدراسة لا تقدم تقديرات مباشرة لتكلفة إنشاء وتشغيل مشاريع هجينة على أرض الواقع، كما أن توفر الموارد الطبيعية لا يعني بالضرورة أن جميع المواقع مؤهلة للاستثمار الفوري.

ويظل تحديد المواقع المناسبة لمشاريع الطاقة البحرية رهينا بمجموعة واسعة من الاعتبارات التقنية والاقتصادية والبيئية.

وتشمل هذه المحددات عمق المياه وطبيعة قاع البحر، والمسافة الفاصلة عن شبكات الكهرباء والموانئ، إضافة إلى متطلبات الصيانة والبنية التحتية اللازمة لعمليات التشغيل والنقل.

كما يتعين تقييم تأثير المشاريع المحتملة على الأنشطة القائمة، وعلى رأسها الصيد البحري والملاحة، إلى جانب مراعاة القيود البيئية والبنيات الساحلية الموجودة مسبقا.

وتواجه طاقة الأمواج تحديات إضافية، بالنظر إلى أن استخدامها التجاري لا يزال أقل انتشارا مقارنة بالطاقة الشمسية والرياح، فضلا عن الظروف التشغيلية الصعبة في البيئة البحرية، بما في ذلك قوة الأمواج والتآكل والحاجة إلى تجهيزات وعمليات صيانة متخصصة.

ورغم هذه التحديات، تمنح نتائج الدراسة المناطق الجنوبية من الساحل الأطلسي المغربي موقعا متقدما ضمن خريطة الإمكانات المرتبطة بالطاقة الهجينة، إذ تشير المقارنة إلى أن ميزتها لا تكمن في مورد طبيعي منفرد، وإنما في اجتماع الرياح والأمواج والطاقة الشمسية ضمن المجال نفسه.

وتضيف هذه النتائج بعدا جديدا إلى النقاش حول مستقبل الطاقات المتجددة في المغرب، من خلال الانتقال من التركيز على تطوير مشاريع تعتمد على مصدر واحد إلى تصور منظومات متكاملة تجمع عدة موارد بهدف تحقيق إنتاج أكثر استقرارا.

وقد يشكل هذا التوجه، على المدى الطويل، أحد الخيارات المطروحة لدعم توسع الاستثمارات المرتبطة بالكهرباء النظيفة، خاصة في المناطق التي تستقطب مشاريع صناعية كبرى تعتمد على وفرة الطاقة المتجددة واستقرارها.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى