الاقتصادية

Stripe تراهن على عودة العملاق.. لماذا تسعى للاستحواذ على PayPal ؟

في بداية عصر التجارة الإلكترونية، كانت “باي بال” بمثابة البوابة الرئيسية التي فتحت الطريق أمام انتشار المدفوعات عبر الإنترنت، حيث نجحت في بناء ثقة واسعة بين المستهلكين والشركات، وأصبحت خلال سنوات قليلة واحدة من أبرز العلامات في قطاع التكنولوجيا المالية عالميًا.

إلا أن المشهد تغير بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، بعدما واجهت الشركة ضغوطًا متزايدة بفعل تصاعد المنافسة وتغير طبيعة سوق الدفع الرقمي، ما أدى إلى تراجع قيمتها السوقية وتحولها من شركة تقود الابتكار إلى هدف محتمل لصفقات استحواذ كبرى.

عادت “باي بال” إلى واجهة قطاع التكنولوجيا المالية بعد أن أصبحت محور صفقة استحواذ محتملة، عقب تقدم شركة “سترايب” بالشراكة مع صندوق الاستثمار “أدفنت إنترناشيونال” بعرض لشراء الشركة مقابل 60.5 دولارًا للسهم الواحد، في صفقة تقدر قيمة “باي بال” بنحو 53 مليار دولار.

ويمنح العرض علاوة سعرية تصل إلى 28% مقارنة بسعر إغلاق سهم الشركة في 14 يوليو، قبل يوم واحد من تقديم المقترح، في خطوة تعكس اهتمام المستثمرين بالقيمة الكبيرة التي لا تزال تمتلكها “باي بال” رغم تراجع أدائها خلال الفترة الأخيرة.

عاشت “باي بال” أفضل مراحلها خلال عام 2021، عندما وصلت قيمتها السوقية إلى نحو 360 مليار دولار، مستفيدة من النمو الاستثنائي للتجارة الإلكترونية خلال جائحة كورونا، حيث شهدت خدمات الدفع الرقمي إقبالًا واسعًا مع تحول ملايين المستهلكين إلى التسوق عبر الإنترنت.

لكن انتهاء طفرة الجائحة كشف عن تحديات جديدة أمام الشركة، إذ تباطأ نمو قاعدة المستخدمين، وازدادت المنافسة من شركات التكنولوجيا الكبرى، فيما بدأ المستهلكون يميلون إلى حلول دفع أكثر سرعة واندماجًا مع الهواتف الذكية.

واجهت “باي بال” خلال السنوات الماضية تراجعًا تدريجيًا في هيمنتها على سوق المدفوعات الإلكترونية، بعدما فقدت جزءًا من حصتها لصالح منافسين جدد.

فبعدما كانت تستحوذ على نحو 9% من مدفوعات التجارة الإلكترونية عالميًا عام 2019، تمكنت خدمات مثل “أبل باي” من تجاوزها وأصبحت الخيار الأكثر استخدامًا في عمليات الدفع الإلكتروني بحلول عام 2025، وفق تقديرات محللي بنك “يو بي إس”.

كما تقلص الفارق بينها وبين المنافسين في السوق الأمريكية، إذ تشير التوقعات إلى أن عدد مستخدميها الأساسيين سيبلغ نحو 92.1 مليون مستخدم خلال 2026، مقارنة بـ 90.5 مليونًا لـ”أبل باي” و55 مليونًا لـ”جوجل باي”.

يرى محللون أن أحد أسباب تراجع “باي بال” يعود إلى عدم قدرتها على مواكبة بعض التحولات الكبرى في قطاع الخدمات المالية الرقمية بالسرعة المطلوبة.

ففي الوقت الذي ركزت فيه شركات مثل “أبل” و”جوجل” على دمج خدمات الدفع مباشرة داخل الهواتف الذكية وجعل العملية أكثر بساطة للمستخدمين، واجهت “باي بال” تحديًا في الحفاظ على جاذبيتها لدى الأجيال الجديدة من المستهلكين.

كما أدى توسع الخدمات المصرفية الرقمية والمحافظ الإلكترونية المتطورة إلى زيادة الضغط على نموذج أعمال الشركة التقليدي.

ترى “سترايب”، التي تبلغ قيمتها التقديرية نحو 159 مليار دولار، أن الاستحواذ على “باي بال” يمثل فرصة استراتيجية لتعزيز موقعها في سوق المدفوعات العالمي.

فالصفقة ستمنحها إمكانية الوصول إلى أكثر من 430 مليون حساب نشط في نحو 200 سوق حول العالم، إضافة إلى الاستفادة من قاعدة العملاء الضخمة التي بنتها “باي بال” على مدار أكثر من عقدين.

كما ستسمح بدمج خبرة “سترايب” في توفير البنية التحتية المالية للشركات مع شبكة “باي بال” الواسعة من المستخدمين الأفراد.

يعد تطبيق “فينمو” من أبرز العناصر التي تزيد من جاذبية الاستحواذ، باعتباره أحد أشهر تطبيقات تحويل الأموال بين الأفراد في الولايات المتحدة.

وقد نجح التطبيق في توسيع نطاق خدماته وربط المزيد من المستخدمين بمنظومة “باي بال”، ما يمنح “سترايب” فرصة للاستفادة من شبكة مالية تضم أكثر من 200 مليون مستخدم لـ”باي بال” في أكثر من 90 سوقًا عالميًا.

رغم أن الشركتين تعملان في قطاع واحد، فإن طبيعة أعمالهما تختلف بشكل كبير.

فـ”باي بال” تعتمد بشكل أساسي على تقديم حلول الدفع للمستهلكين عبر المحافظ الرقمية وخدمات التحويل المالي، بينما تركز “سترايب” على توفير التكنولوجيا والبنية التحتية التي تمكن الشركات والمتاجر الإلكترونية من معالجة المدفوعات.

وقد يشكل هذا الاختلاف نقطة قوة في حال إتمام الصفقة، إذ يمكن أن يؤدي إلى إنشاء منظومة تجمع بين المستخدمين الأفراد والشركات في منصة دفع واحدة أكثر تكاملًا.

إذا تمت الصفقة، فقد ينتج عنها أحد أكبر الكيانات العالمية في مجال المدفوعات الرقمية، حيث ستتجاوز قيمة المعاملات التي تعالجها الشركتان معًا 3.7 تريليون دولار سنويًا.

ومن شأن هذا الحجم أن يعزز قدرتهما على المنافسة في سوق التجارة الإلكترونية الذي يواصل النمو، خاصة مع تزايد الاعتماد العالمي على الحلول الرقمية في عمليات الشراء والتحويل المالي.

لم تفقد “باي بال” مكانتها نتيجة عامل واحد، بل جاء تراجعها نتيجة سلسلة من التحولات في قطاع التكنولوجيا المالية، بدءًا من صعود المحافظ الرقمية عبر الهواتف الذكية، مرورًا بتغير توقعات المستهلكين، وصولًا إلى دخول شركات التكنولوجيا العملاقة بقوة إلى سوق المدفوعات.

وبعدما كانت الشركة رمزًا لبداية عصر التسوق الإلكتروني، تواجه اليوم مرحلة حاسمة قد تحدد مستقبلها، سواء عبر الاندماج مع منافس جديد أو من خلال إعادة بناء استراتيجيتها لاستعادة مكانتها في سوق يشهد منافسة غير مسبوقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى