الانتخابات المغربية موسم اقتصادي استثنائي ينعش المطابع والإشهار والخدمات

تُقاس الاستحقاقات الانتخابية عادةً بمدى حدة التنافس الحزبي وحجم المشاركة الشعبية، لكن ثمة زاوية أخرى لا تقل أهمية ترسم معالم المشهد الإنتخابي بالمغرب؛ زاوية تحول الصندوق السياسي إلى “محرك سوق” يعيد الدفء إلى قطاعات تجارية وخدمية أرهقها الركود.
فخلف ستائر المعارك السياسية والخطابات الرنانة، تنطلق “دورة اقتصادية موسمية” تتجاوز أبعادها أروقة المقرات الحزبية لتمتد إلى الشارع والمهن الصغرى.
ومع أولى إرهاصات الاستعداد للحملات، يتغير الإيقاع التجاري للمدن المغربية كلياً؛ حيث ينعكس هذا الحراك السياسي في صورة انتعاشة ملموسة تُنعش خطوط الإنتاج والخدمات، وتخلق طوق نجاة وفرص عمل مؤقتة لآلاف المهنيين والشباب والعمال، في مشهد تتداخل فيه لغة أرقام المعاملات بلغة الاقتراع.
في أزقة المطابع والشركات الموردة للورق، لا صوت يعلو فوق هدير الآلات التي تعمل على مدار الساعة. فالمرشحون، رغم طوفان الرقمنة، ما زالوا يراهنون بضراوة على “سحر الورق” للوصول إلى قلب الناخب.
في هذا السياق، يكشف يقين مصباح، رئيس قطاع المطابع وصناعة الإشهار باتحاد المقاولات والمهن، أن هذه الحقبة الانتخابية ليست مجرد نشاط عابر، بل هي “دواسة أكسجين” تعوض سنوات الركود بين كل استحقاق وآخر.
وبلغة الأرقام، تؤكد الأرقام والصرح الذي قدمه مصباح في حديثه لـ SNRTnews أن رقم معاملات بعض المقاولات الطباعية يستقرئ قفزات قياسية، إذ يرتفع بنسب متفجرة تتراوح ما بين 400% و500% مقارنة بالفترات العادية.
ورغم المعاناة الراهنة مع غلاء أسعار المواد الأولية وانعكاسها المباشر على التكلفة، يصر الفاعلون على أن “السوق الانتخابية الورقية” تظل الملك المتربص على عرش الدعاية.
وعلى الجانب الآخر من المشهد الدكاني التقليدي، تنتصب “جيوش الرقميين”. فلم تعد المعركة الانتخابية تُخاض في الأزقة فقط، بل انتقلت شراستها إلى الشاشات الزرقاء، مما جعل شركات التواصل والتسويق الرقمي تعيش “موسم حصاد استثنائي”.
هذا التحول الرقمي أتاح بدوره شبكة أمان اقتصادية مؤقتة لجيش من الطاقات الشابة؛ حيث يرتفع الطلب بشكل ملحوظ على المصممين (Graphic Designers)، ومطوري المحتوى، والمصورين، وتقنيي المونتاج، ليجد هؤلاء المبدعون الشباب ساحة خصبة لاستعراض مهاراتهم وتحقيق مداخيل مالية مجزية.
خارج حدود الورق والشاشات، يمتد الأثر الاقتصادي للانتخابات كالأواني المستطرقة ليمس قطاعات خدمية ولوجستيكية واسعة.
إذ تشهد شركات كراء السيارات والحافلات إقبالاً غير مسبوق لتأمين القوافل الميدانية، وتنتعش تجارة معدات الصوت والإضاءة، وتتحرك أيادي عمال البناء والتركيب لتشييد المنصات والخيام في الساحات العامة.
حتى متعهدو الحفلات (المزودون للخدمات الغذائية)، وشركات الحراسة الخاصة والنظافة، يجدون أنفسهم في قلب هذه الحركة الاقتصادية الدؤوبة. أما على مستوى القواعد الجماهيرية، فيتحول مئات الشباب والأطر الصغرى إلى “سفراء ميدانيين” لحملات الأحزاب، يستفيدون من فرص شغل مؤقتة لتوزيع المناشير وتنشيط التجمعات في الأحياء والأسواق.
ولا تتوقف هذه الدينامية عند نهاية الحملات الدعاية، بل تبلغ ذروتها يوم الاقتراع نفسه. إذ يتطلب هذا اليوم المفصلي تجنيد موارد بشرية ولوجستيكية ضخمة؛ بدءاً من أطر الإدارة ورؤساء وأعضاء مكاتب التصويت وأعوان السلطة، وصولاً إلى ممثلي الأحزاب والمراقبين الذين يسهرون على سلاسة العملية ومصداقيتها.
إن الانتخابات في المغرب تتجاوز منطق التنافس الإيديولوجي والسياسي لتؤكد حقيقة أخرى لا تقل أهمية: إنها بامتياز “موسم رواج اقتصادي” يعيد توزيع المداخيل، ويحرك الركود، ويمنح آلاف الأسر فرصة لالتقاط الأنفاس، مؤكدة أن السياسة -حين تتحرك- تحرك معها أرزاق الناس.
المصدر : snrtnews




