دراسة تكشف لجوء المغاربة إلى سياسة الإنفاق الحذر لمواجهة الغلاء

تفرض التحولات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة واقعاً جديداً على أنماط الاستهلاك في المغرب، حيث تتجه الأسر نحو إعادة ترتيب أولوياتها المالية، مع تشديد الرقابة على النفقات والبحث عن خيارات تحقق أفضل توازن بين السعر والجودة.
وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة لمؤسسة «ماكينزي» العالمية أن المستهلك المغربي أصبح أكثر انتقائية في قرارات الشراء، مع تزايد أهمية الثقة في العلامات التجارية والقيمة الفعلية التي توفرها المنتجات والخدمات.
وأبرز تقرير «State of Consumer Africa 2026» أن هذه التغيرات لا تعني بالضرورة التخلي عن الاستهلاك، بل تعكس تحولاً في طريقة اتخاذ القرارات الشرائية، من خلال المفاضلة بين البدائل المتاحة واختيار المنتجات التي تستجيب للاحتياجات الأساسية وتوفر منافع ملموسة مقابل المال.
واستندت الدراسة إلى استطلاع شمل 1.010 مستهلكين في المغرب، ضمن عينة إجمالية تضم 9.036 مشاركاً موزعين على خمس أسواق إفريقية رئيسية، تشمل المغرب ومصر وكينيا ونيجيريا وجنوب إفريقيا، بهدف تحليل تطور سلوك المستهلكين في ظل المتغيرات الاقتصادية والرقمية.
وأوضحت الدراسة أن ارتفاع تكاليف المعيشة وتقلبات أسعار العملات يدفعان الأسر إلى مراجعة ميزانياتها، عبر تقليص المصاريف غير الضرورية وتوجيه الإنفاق نحو المشتريات الأكثر أهمية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تدبير الموارد المالية بحذر.
وفي المقابل، لا يقتصر مفهوم القيمة لدى المستهلك المغربي على اقتناء المنتجات الأقل سعراً، بل يشمل أيضاً جودة السلع وموثوقيتها، ومدى استجابتها لمتطلبات الصحة والعافية والراحة وسهولة الاستخدام.
ويضع هذا التحول الشركات أمام ضرورة مراجعة عروضها التجارية، من خلال تقديم منتجات تجمع بين الأسعار التنافسية والجودة، وتعزيز ثقة المستهلك في العلامات التجارية، خصوصاً مع تزايد حساسية الأسر تجاه تكلفة المشتريات ومدى جدواها.
ورصد التقرير تحولات في طرق اكتشاف المنتجات والعلامات التجارية، مدفوعة بتوسع استخدام الوسائل الرقمية وتغير سلوكيات الأجيال الجديدة، التي باتت تؤثر بشكل متزايد في توجهات السوق.
ويبرز الجيل «زد» ضمن الفئات المساهمة في إعادة تشكيل المشهد الاستهلاكي، في ظل تغير أساليب البحث عن المنتجات والتفاعل مع العلامات التجارية والاستفادة من المنصات الرقمية.
ورغم تنامي استخدام وسائل الأداء الإلكتروني وقنوات التسوق الحديثة، تواصل التجارة التقليدية وغير الرسمية الحفاظ على حضورها في المغرب وعدد من الأسواق الإفريقية، وهو ما يعكس استمرار تعدد قنوات البيع واختلاف أنماط الاستهلاك بين الفئات والمناطق.
وتفرض هذه المعطيات على الشركات اعتماد استراتيجيات أكثر مرونة، تجمع بين تطوير الخدمات الرقمية والحفاظ على قنوات البيع التقليدية، مع تكييف العروض وفق خصوصيات كل سوق ومستوى القدرة الشرائية للمستهلكين.
وخلصت «ماكينزي» إلى أن المستهلك الإفريقي أصبح أكثر واقعية في قرارات الشراء، التي باتت تتأثر بمجموعة من العوامل المتداخلة، تشمل السعر والجودة والثقة والمنفعة المنتظرة من المنتجات والخدمات.
ورغم استمرار التحديات الاقتصادية، تتيح الأسواق الإفريقية فرصاً للنمو واستقطاب الاستثمارات، غير أن استثمار هذه الإمكانات يظل مرتبطاً بقدرة الشركات على فهم احتياجات المستهلكين والتكيف مع التغيرات التي تشهدها سلوكياتهم.
وبالنسبة إلى المغرب، تبرز هذه التحولات أهمية تطوير عروض تجارية تستجيب لتطلعات المستهلكين، من خلال الجمع بين الجودة والأسعار المناسبة والموثوقية، إلى جانب تعزيز تجربة التسوق وبناء علاقات مستدامة مع الزبائن تقوم على الثقة وتقديم قيمة مضافة حقيقية.




