اقتصاد المغربالشركات

استثمارات البطاريات تدفع المغرب نحو موقع جديد في صناعة السيارات الكهربائية

يدخل المغرب مرحلة جديدة في تطوير صناعة السيارات، مع انتقال اهتمامه تدريجياً من رفع قدرات إنتاج المركبات إلى بناء منظومة صناعية متكاملة تشمل البطاريات والمواد الداخلة في تصنيعها. ويستند هذا التوجه إلى قاعدة قوية لصناعة السيارات، وموارد معدنية مهمة، وبنية لوجستية متقدمة، فضلاً عن شبكة اتفاقيات تجارية تمنح المملكة منفذاً إلى أكثر من 60 سوقاً حول العالم.

وتضع هذه المؤهلات المغرب أمام فرصة لتعزيز موقعه ضمن سلاسل القيمة العالمية للمركبات الكهربائية، خصوصاً مع تسارع التحول الدولي نحو وسائل نقل أقل انبعاثاً وتزايد الطلب على البطاريات ومكوناتها.

وبحسب تقرير حديث للمعهد الدولي للتنمية المستدامة (IISD)، تعمل المملكة على تطوير منظومة متدرجة لسلسلة قيمة بطاريات السيارات الكهربائية، مستفيدة من تراكم الخبرة الصناعية في قطاع السيارات ومن تدفق الاستثمارات الأجنبية والسياسات الرامية إلى مواكبة التحولات التي يشهدها قطاع النقل العالمي.

لم يبدأ المغرب من نقطة الصفر في هذا المسار، إذ نجح خلال السنوات الماضية في بناء قطاع سيارات واسع النطاق، تجاوز إنتاجه مليون مركبة سنوياً، ليصبح بذلك أكبر منتج للسيارات في القارة الإفريقية وفق المعطيات الواردة في التقرير.

وساهم هذا التطور في رفع وزن القطاع داخل الاقتصاد الوطني، حيث أصبحت صادرات السيارات تمثل نحو 34 في المائة من إجمالي الصادرات المغربية، متجاوزة صادرات الفوسفاط، فيما تحول المغرب إلى أكبر مصدر للسيارات إلى الاتحاد الأوروبي من حيث القيمة، وفق المعطيات المشار إليها.

كما ارتفعت نسبة المكونات المنتجة محلياً إلى حوالي 69 في المائة، بينما تستهدف المملكة بلوغ مستوى 80 في المائة بحلول سنة 2030.

ومع التحول المتسارع نحو السيارات الكهربائية، يتجه المغرب إلى استثمار هذه القاعدة الصناعية لتطوير أنشطة جديدة تشمل تصنيع البطاريات ومكوناتها، وفي مقدمتها المواد الكاثودية والمواد الكيميائية الأولية.

ويتيح هذا الانتقال توسيع القيمة المضافة داخل المملكة، بدلاً من الاقتصار على تصنيع وتجميع المركبات، كما ينسجم مع التحولات التنظيمية التي تشهدها السوق الأوروبية في مجال خفض الانبعاثات وتعزيز استدامة سلاسل التوريد.

يمثل توفر الموارد المعدنية أحد العناصر الرئيسية التي يعتمد عليها المغرب في بناء صناعة مرتبطة بالبطاريات، وفي مقدمتها الفوسفاط والكوبالت.

ويشير تقرير IISD إلى أن المملكة تمتلك نحو 70 في المائة من الاحتياطيات العالمية من الفوسفاط، فيما يعمل المكتب الشريف للفوسفاط عبر ذراعه للابتكار InnovX على تطوير مواد كيميائية ذات قيمة مضافة يمكن توظيفها في عدد من الصناعات المتقدمة، بما في ذلك تقنيات بطاريات الليثيوم والحديد والفوسفات المعروفة اختصاراً بـ LFP.

وفي موازاة ذلك، برزت شراكات صناعية كبرى تستهدف تطوير مكونات البطاريات، من بينها التعاون بين مجموعة Al Mada والمجموعة الصينية CNGR، والذي أسفر عن إطلاق مشروع COBCO باستثمار يقارب ملياري دولار لإنتاج المواد الكاثودية ومكونات أخرى مرتبطة بسلسلة البطاريات.

ويحضر الكوبالت بدوره ضمن هذه المنظومة، مع نشاط شركة مناجم في استخراج المعدن وتكريره بالمغرب، فضلاً عن إبرامها اتفاقيات توريد طويلة الأجل مع شركات عالمية لصناعة السيارات، من بينها BMW وRenault.

ويكتسب مصدر الكوبالت وطريقة إنتاجه أهمية متزايدة بالنسبة إلى الشركات العالمية، في ظل تشديد المعايير المرتبطة بالحوكمة البيئية والاجتماعية وتتبع مصادر المواد الخام.

ولا يرتبط الرهان المغربي على صناعة السيارات الكهربائية بالموارد الطبيعية والاستثمارات وحدها، بل يستند كذلك إلى شبكة متطورة من البنيات الصناعية واللوجستية.

ويأتي ميناء طنجة المتوسط في مقدمة هذه البنية، إلى جانب المناطق الصناعية والمناطق الحرة المرتبطة به، والتي توفر للمصنعين منصة قريبة من الأسواق الأوروبية ومتصلة بشبكة واسعة من طرق التجارة العالمية.

ويمنح الموقع الجغرافي للمغرب ميزة لوجستية مهمة، إذ يمكن نقل البضائع والسيارات إلى عدد من الأسواق الأوروبية في أقل من 48 ساعة، وهو عامل بالغ الأهمية بالنسبة للصناعات التي تعتمد على انتظام الإمدادات وسرعة وصول المنتجات إلى المستهلكين.

وتزداد أهمية هذه الميزة في قطاع البطاريات، نظراً لحساسية سلاسل التوريد الخاصة بالمواد الخام والمكونات، فضلاً عن الحاجة إلى نقل المنتجات النهائية إلى الأسواق في آجال تنافسية.

في المقابل، يفرض تطوير صناعة البطاريات تحديات تتعلق بتوفير الطاقة والمياه، بالنظر إلى الطبيعة الصناعية والكيميائية لبعض مراحل الإنتاج.

وفي مجال الطاقة، تستهدف المملكة رفع حصة مصادر الطاقة المتجددة إلى 52 في المائة من القدرة الكهربائية المركبة بحلول سنة 2030، من خلال مواصلة تطوير مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

ومن شأن هذا المسار دعم الصناعات الجديدة بمصادر كهرباء أقل انبعاثاً، وهو عنصر يكتسب أهمية متزايدة بالنسبة للمستثمرين الراغبين في الوصول إلى أسواق تفرض معايير بيئية أكثر صرامة.

أما المياه، فتشكل أحد التحديات التي ترافق التوسع الصناعي، خصوصاً أن بعض الصناعات الكيميائية المرتبطة بالبطاريات تتطلب موارد مائية مهمة.

وفي هذا الإطار، تتجه المملكة إلى تطوير مشاريع لتحلية مياه البحر، بهدف توفير موارد إضافية للمناطق الصناعية وتقليل الضغط على الموارد المائية التقليدية.

أصبحت الشركات الصينية حاضرة بقوة في مسار تطوير منظومة البطاريات بالمغرب، مع استثمارات تمتد إلى عدد من حلقات سلسلة القيمة.

ووفق تقرير IISD، تجاوز حجم الاستثمارات الصينية المرتبطة بقطاع البطاريات والسيارات الكهربائية في المغرب 10 مليارات دولار، مع حضور شركات من بينها Gotion High-Tech وCNGR وBTR.

وتستفيد هذه الشركات من موقع المملكة ومن شبكة الاتفاقيات التجارية التي تربطها بعدد كبير من الأسواق، ما يمنحها إمكانية توجيه جزء من الإنتاج نحو أوروبا والولايات المتحدة وأسواق أخرى.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى