شح المياه يفرض تحديات جديدة على مسار الطاقة المتجددة في المغرب

في وقت يواجه فيه المغرب ضغوطاً متزايدة على موارده المائية، أظهرت دراسة علمية حديثة أن العلاقة بين توفر المياه وإنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة ليست متوازنة، إذ يبدو أن تراجع الموارد المائية يترك أثراً أكبر على منظومة الطاقة مقارنة بالتحسن في كمياتها.
وأجرى الدراسة الباحثان محمد نوري وعائشة العلوي من جامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال، ونشرتها دورية «Future Business Journal» خلال سنة 2026، بالاستناد إلى معطيات سنوية تغطي الاقتصاد المغربي خلال الفترة الممتدة من 1990 إلى 2021.
واعتمد الباحثان في تحليلهما على مؤشرات التنمية العالمية للبنك الدولي، من خلال دراسة العلاقة بين حجم المياه العذبة المسحوبة سنوياً وحصة الكهرباء المنتجة من المصادر المتجددة، مع الأخذ بعين الاعتبار عدداً من المتغيرات الاقتصادية، من بينها الناتج المحلي الإجمالي وحجم مساهمة القطاعين الزراعي والصناعي.
وأظهرت نتائج البحث أن التغيرات في كميات المياه المسحوبة لا تحدث تأثيراً قوياً على حصة الكهرباء المتجددة على المدى الطويل. لكن عند حدوث انخفاض في السحب المائي، تصبح العلاقة أكثر وضوحاً، حيث بلغ معامل التأثير (-5.28)، مقابل (+1.04) في حالة ارتفاع كميات المياه المسحوبة.
ويعكس هذا التفاوت، وفق الدراسة، اختلافاً في طبيعة تأثير ندرة المياه مقارنة بوفرتها. ويربط الباحثان ذلك بالضغوط التي تفرضها فترات الجفاف والشح المائي على القطاعات التي تعتمد على المياه، بما فيها الأنشطة المرتبطة بإنتاج الطاقة.
في المقابل، لا يؤدي تحسن الموارد المائية بالضرورة إلى ارتفاع مماثل في إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة، بالنظر إلى أن وتيرة تطوير هذا القطاع ترتبط أيضاً بعوامل أخرى، تشمل الاستثمارات المتاحة والتقنيات المعتمدة والبنية التحتية.
وأظهر اختبار السببية الإحصائية الذي اعتمدته الدراسة وجود علاقة تنبؤية بين انخفاض كميات المياه المسحوبة وتراجع حصة الكهرباء المنتجة من الطاقات المتجددة، في حين لم تظهر علاقة مماثلة في الاتجاه المعاكس، وهو ما يشير إلى تأثر منظومة الطاقة بشكل أكبر خلال فترات الضغط المائي.
وتشير الدراسة في تفسيرها إلى أن توسع المغرب في استخدام الطاقة الشمسية الكهروضوئية وطاقة الرياح ساعد على تقليص ارتباط إنتاج الكهرباء بتقلبات الموارد المائية، نظراً إلى أن هاتين التقنيتين تتطلبان كميات محدودة من المياه مقارنة بالطاقة الكهرومائية والطاقة الشمسية المركزة.
وبناءً على هذه النتائج، أوصى الباحثان بزيادة التنسيق بين السياسات المتعلقة بالمياه والطاقة، مع مواصلة تطوير مشاريع الطاقة الشمسية الكهروضوئية وطاقة الرياح، بالتوازي مع تحسين كفاءة استعمال المياه.
كما شملت التوصيات تعزيز استخدام تقنيات الري الحديثة، وتوسيع نطاق إعادة استعمال المياه العادمة، وتقليص حجم المياه المهدرة في شبكات التوزيع، بما يساعد على تخفيف الضغط على الموارد المائية.
ودعت الدراسة أيضاً إلى تعزيز الربط بين مشاريع تحلية مياه البحر ومصادر الطاقة المتجددة، بما يسمح بتوفير موارد مائية إضافية، ويدعم في الوقت نفسه مسار التحول الطاقي، خصوصاً في القطاعات الصناعية التي تحتاج إلى كميات مهمة من المياه والطاقة.
ورغم ذلك، شدد الباحثان على ضرورة قراءة النتائج ضمن حدود المنهجية المعتمدة، إذ اقتصرت قاعدة البيانات على 32 ملاحظة سنوية، كما ركز قياس التحول الطاقي على قطاع إنتاج الكهرباء دون إدماج قطاعات أخرى، مثل النقل والتدفئة.
كما أن مؤشر المياه العذبة المسحوبة المستخدم في الدراسة لا يعكس بصورة مباشرة مستوى الإجهاد المائي، ما يجعل نتائج البحث مؤشراً على طبيعة العلاقة بين الموارد المائية والطاقة المتجددة، دون أن يشكل بمفرده قياساً شاملاً لتأثير ندرة المياه على منظومة الطاقة في المغرب.




