تقرير رويترز 2026: إعادة رسم الفضاء الإعلامي المغربي تحت تأثير المنصات الرقمية

أفرزت التحولات المتسارعة في البيئة الرقمية المغربية واقعاً إعلامياً جديداً وضع المنصات الإلكترونية وصناع المحتوى في صدارة المشهد، وهو ما أكده تقرير معهد رويترز لدراسة الصحافة لسنة 2026، مشيراً إلى أن محتوى الفيديو عبر الإنترنت بات يعيد تشكيل الفضاء العمومي في سياق يتسم بتراجع الثقة في الأخبار واستمرار التحديات القانونية والمهنية التي تحكم المجال.
ووفق ما أورده التقرير السنوي، فإن الدينامية التي أعقبت موجات من النقاشات والاحتجاجات المرتبطة بأولويات الإنفاق العمومي، خاصة ما يتعلق بمشاريع البنية التحتية المرتبطة بالاستعدادات الرياضية الكبرى، ساهمت في إعادة رسم ملامح المجال العام.
وقد أفضى هذا التحول إلى فضاء أكثر حيوية وانفتاحا مقارنة بالسنوات السابقة، غير أنه لا يزال محكوما بدرجة ملحوظة من الحذر وضبط التعبير.
وأشار التقرير إلى أن خريف 2025 شكل مرحلة مفصلية، تزامنت مع تصاعد احتجاجات شبابية واسعة جرى تنظيم جزء كبير منها عبر منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات التراسل، خصوصا “ديسكورد”، حيث ركزت المطالب على تحسين خدمات الصحة والتعليم، ومكافحة الفساد، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العمومي.
وفي هذا السياق، أوضح التقرير أن المؤسسات الإعلامية التقليدية تأخرت في التفاعل مع هذه التحولات، قبل أن تعتمد لاحقا مقاربة أكثر انفتاحا، من خلال إفراد مساحة أوسع لتغطية القضايا التي برزت في الفضاء الرقمي.
غير أن هذا التفاعل جاء، بحسب التقرير، في إطار محاولة لمواكبة خطاب سبق أن تشكل خارج القنوات الإعلامية التقليدية.
ويرى المصدر ذاته أن بيئة المعلومات في المغرب أصبحت اليوم أكثر تشظيا، حيث لم يعد الإعلام التقليدي يحتكر تشكيل النقاش العام، في ظل صعود واضح للمنصات الرقمية التي أصبحت المصدر الأول لاكتشاف الأخبار ومشاركتها.
ويبرز في هذا السياق الدور المتنامي لكل من “فيسبوك” و”يوتيوب” و”إنستغرام” و”واتساب” و”تيك توك” في توجيه تدفق المعلومات.
ورغم استمرار وسائل الإعلام الرسمية في لعب دور أساسي في إضفاء الشرعية على الأخبار، فإن التقرير يؤكد أنها فقدت جزءا من قدرتها على التحكم في إيقاع النقاشات السياسية الحساسة أو توجيهها كما كان في السابق.
كما سلط التقرير الضوء على بروز حركة شبابية لامركزية تحمل اسم “GenZ212”، التي نجحت في فرض حضورها داخل النقاش الوطني دون قيادة واضحة، معتمدة بشكل شبه كامل على الفضاء الرقمي في التعبئة ونشر الرسائل.
وقد دفع هذا التحول عددا من المسؤولين الحكوميين إلى الظهور عبر وسائل الإعلام التلفزيونية، خصوصا القناة الثانية “دوزيم”، في محاولة للتفاعل مع هذه الدينامية الجديدة.
واعتبر التقرير أن هذا التفاعل الرسمي يعكس مقاربة تدريجية لاحتواء المطالب الاجتماعية وإعادة إدماجها ضمن خطاب مؤسساتي أكثر قابلية للتحكم. كما أشار إلى أن بعض الظهورات الإعلامية اللاحقة لمسؤولين حكوميين، من بينهم وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة، جاءت في سياق إبراز نجاحات دبلوماسية مرتبطة بملف الصحراء المغربية ضمن سردية الدولة الرسمية.
ويخلص التقرير إلى أن ما يجري لا يعكس انفتاحا إعلاميا تلقائيا بقدر ما يعكس مسارا تدريجيا لإعادة تنظيم المجال العام، يقوم على امتصاص التوترات ثم إعادة صياغتها داخل إطار خطاب تقليدي يركز على الاستقرار والسيادة والتماسك الوطني.
على صعيد آخر، سجل التقرير استمرار الاعتماد المرتفع على الأخبار الرقمية، مع وصول نسبة مشاركة الأخبار عبر الإنترنت إلى 36%، في حين لا تزال مستويات الثقة في الأخبار منخفضة عند حدود 28% فقط، مقابل ارتفاع المخاوف من المعلومات المضللة إلى 54%.
وفي تحليل أعمق، أوضحت الدراسة أن التحدي في المغرب لم يعد يقتصر على الرقمنة، بل أصبح مرتبطا بظهور جمهور أكثر تفاعلا في استهلاك الأخبار، لكنه في الوقت نفسه أكثر تشككا في مصادرها. ويعكس هذا الواقع، حسب التقرير، حالة من “الثقة المجزأة”، حيث تتراجع الثقة العامة في الإعلام لصالح ثقة انتقائية في مصادر محددة أو محتوى شخصي.
كما أشار التقرير إلى تحول مهم في دور الوساطة الإعلامية، مع صعود مؤثرين رقميين ومعلقين على منصات مثل “يوتيوب”، إلى جانب صحافيين سابقين انتقلوا إلى الإنتاج الرقمي، حيث يقدمون تحليلات مبسطة وسريعة تتجاوز في كثير من الأحيان تعقيدات الإعلام التقليدي.
ورغم أن هذه الفئة الجديدة لا تُعتبر بالضرورة بديلا موثوقا عن الإعلام التقليدي، فإنها تحظى بمتابعة واسعة لسرعة انتشارها وقربها من اهتمامات الجمهور وسهولة تقديمها للمعلومة.
وفي المقابل، شدد التقرير على أن الإطار القانوني المنظم للقطاع الإعلامي ما يزال يتسم بالصرامة، رغم تقديم إصلاحات تتعلق بالمجلس الوطني للصحافة ووضعية الصحافيين، إلا أن هذه الإصلاحات ترافقت مع استمرار ضغوط قضائية مرتبطة بحرية التعبير، في سياق عام يتسم بالحذر في تدبير المجال الإعلامي وضبطه.
وتأسيساً على ذلك، تبرز الحاجة الملحة إلى تطوير نماذج اقتصادية مستدامة للمؤسسات الإعلامية الوطنية لتمكينها من مواكبة هذا التدفق الرقمي الجارف، وتقديم محتوى احترافي قادر على استعادة ثقة المرتفقين والحد من انتشار الأخبار الزائفة.
ويخلص تقرير معهد رويترز إلى أن المغرب يعيش مرحلة انتقالية معقدة في علاقته بالإعلام، عنوانها الأبرز انتقال السلطة الرمزية للمعلومة تدريجيا من المؤسسات التقليدية إلى الفضاء الرقمي، دون أن يعني ذلك اختفاء تأثير الدولة أو الإعلام الرسمي، بل إعادة تشكيل أدوارهما داخل مشهد أكثر تعددا وتشظيا من ذي قبل.




