الأسواق تحت رحمة العواطف: لماذا يكرر المستثمرون الأخطاء نفسها؟

تبدو الأسواق المالية وكأنها مسرح دائم للدروس المتكررة؛ تصاعد وهبوط الأسعار، ذعر وطمع، ورغم كل الأدوات الحديثة والتحليلات التفصيلية، يواصل المستثمرون تكرار نفس الأخطاء. يبدو أن التاريخ يعيد نفسه، لكن البشر هم من يعيدون رسمه من جديد.
عندما تنهار الأسواق، يندفع المستثمرون لبيع محافظهم بدافع الخوف، بينما يفوتهم التعافي القادم. وعند فترات الصعود، يقود الطمع والتفاؤل المفرط إلى شراء الأسهم بأسعار مرتفعة، لتأتي بعدها موجة تصحيح قوية تعيد السوق إلى مستوياته الحقيقية.
من فقاعة “دوت كوم” في أواخر التسعينيات إلى الأزمة المالية العالمية 2008، وصولًا إلى صدمة جائحة كورونا 2020، يتكرر النمط ذاته: كل أزمة تبدو جديدة وغير مسبوقة، لكن ردود فعل المستثمرين متشابهة.
مؤشر إس آند بي 500، على سبيل المثال، حقق منذ عام 1928 متوسط عائد سنوي يقارب 10% عند إعادة استثمار التوزيعات. ومع ذلك، يحقق المستثمر العادي عائدًا أقل بكثير بسبب الأخطاء السلوكية، وليس ضعف المنتجات المالية. ففي عام 2024، سجل المستثمر العادي 16.54%، بينما حقق المؤشر نفسه 25%، أي بفارق 8.5% في سنة واحدة فقط.
:max_bytes(150000):strip_icc()/investment-stock-market--entrepreneur-business-man-discussing-and-analysis-graph-stock-market-trading-stock-chart-concept-1131299321-58e0bfd588dd4998a03ec3d5acc60142.jpg)
العواطف هي المحرك الرئيسي للأخطاء المالية. خلال فترات الصعود، يتفاقم التفاؤل، وتتدفق الأموال إلى السوق بدافع “الخوف من تفويت الفرصة”، ما يؤدي إلى تضخم الفقاعات. الاقتصاديان كارمن راينهارت وكينيث روجوف وصفا هذا السلوك بـ “متلازمة هذا الوقت مختلف”، حيث يعتقد المستثمرون أن القواعد القديمة لم تعد تنطبق.
الأمثلة كثيرة: فقاعة “دوت كوم” شهدت ارتفاع مؤشر ناسداك المركب أكثر من 400% خلال خمس سنوات، لتتراجع لاحقًا بنسبة 78% بين 2000 و2002، ما أدى إلى خسائر ضخمة للمستثمرين الذين دخلوا السوق عند الذروة وخرجوا عند الانهيار.
يعتقد الكثيرون أنهم قادرون على توقيت السوق بدقة، أي البيع قبل الانخفاض والشراء قبل التعافي. لكن الدراسات في التمويل السلوكي تشير إلى أن هذا شبه مستحيل. فالمستثمرون عادة ما يشترون بعد ارتفاع الأسعار ويبيعون بعد الانخفاض، ما يولد فجوة كبيرة بين عوائدهم الفعلية وعوائد السوق.
مثال واضح: في مارس 2020، هبط مؤشر إس آند بي 500 بنسبة 34% خلال ذروة جائحة كورونا، لكنه تعافى بحلول أغسطس، فيما فقد المستثمرون الذين باعوا في لحظة الذعر جزءًا كبيرًا من العوائد.
إحدى المسببات الأساسية لتكرار الأخطاء هي التحيز للحداثة، أي ميل المستثمرين لإعطاء وزن أكبر للأحداث الأخيرة عند اتخاذ قراراتهم.
هذا يجعل كل أزمة تبدو استثنائية وفريدة، بينما التاريخ يوضح أنها غالبًا مجرد تكرار لدورات سابقة. مثالان بارزان هما أزمات 2008 وكورونا: رغم الانهيارات الكبيرة، شهدت الأسواق لاحقًا موجات صعود قوية.
الاستثمار الناجح لا يقوم على توقع حركة السوق، بل على التحكم في السلوك. الانضباط النفسي أثناء الأزمات يمكن أن يمنح المستثمرين فرصة لتحقيق كامل إمكانات العوائد على المدى الطويل، في حين أن أكبر تهديد ليس الأزمة نفسها، بل القرارات العاطفية المتخذة خلال وقوعها.




