من مجتمع شاب إلى مجتمع مسن.. المغرب أمام تحديات النمو السكاني والتحول الاقتصادي

يشهد المغرب اليوم مرحلة حرجة على صعيد التحولات الديموغرافية، حيث تشير المؤشرات إلى أن نافذة الفرصة الديموغرافية، التي شكلت محركًا للنمو الاقتصادي منذ مطلع الألفية، باتت على وشك الإغلاق. وتعد هذه المرحلة اختبارًا لقدرة المملكة على استثمار تركيبتها السكانية الحالية قبل أن تتحول إلى عبء طويل الأمد.
وأفادت المندوبية السامية للتخطيط في تقريرها الأخير أن معدل الخصوبة في المغرب هبط إلى 1,97 طفل لكل امرأة، أي دون مستوى تجديد الأجيال المحدد عند 2,1 طفل.
وهذا يعني أن السكان لم يعودوا يعوّضون أنفسهم طبيعيًا، في مؤشر واضح على تحول بنيوي يضع البلاد أمام سباق مع الزمن لاستثمار قوتها الشابة قبل أن تتغير المعادلة ديموغرافيًا بالكامل.
تشير الأرقام الرسمية إلى أن معدل النمو السكاني انخفض من 2,6% عام 1994 إلى 0,85% في 2024، أي نحو الثلث خلال ثلاثة عقود فقط. وفي المقابل، ارتفع متوسط العمر المتوقع من 47 سنة في 1960 إلى 76,4 سنة حاليًا، مما يعكس تحسنًا ملموسًا في الصحة وجودة الحياة.
كما انخفض معدل الخصوبة من 7,2 أطفال لكل امرأة في ستينيات القرن الماضي إلى 1,97 طفل اليوم، مع انعكاسات مباشرة على شكل الهرم السكاني ومستوى المشاركة الاقتصادية والاجتماعية للسكان.
وفق تقرير المندوبية الصادر في فبراير 2026 بعنوان “التحولات الديموغرافية والواقع الاجتماعي والاقتصادي في المغرب”، سيبلغ عدد سكان المملكة نحو 40,5 مليون نسمة بحلول 2040، مع استمرار النمو بوتيرة أبطأ بكثير من العقود الماضية.
وتتوقع الدراسة أن نسبة الأطفال دون 15 سنة ستتراجع إلى 19,2%، فيما ستصل نسبة السكان فوق 60 عامًا إلى 19,5%، ما يعكس انتقال المغرب من مجتمع شاب إلى مجتمع يتجه نحو الشيخوخة.
وعلى الرغم من أن ثلث السكان لا يزالون في سن الشباب بين 15 و35 عامًا، إلا أن مؤشرات البطالة بين هذه الفئة، خصوصًا حاملي الشهادات، لا تزال مرتفعة، فيما تظل مشاركة النساء في سوق العمل منخفضة جدًا عند 19%.
ويؤكد خبراء ديموغرافيون أن العائد الديموغرافي لا يتحقق تلقائيًا؛ فالنافذة الديموغرافية تعني تفوق نسبة السكان في سن العمل على نسبة المعالين، ما يخلق فرصة للنمو الاقتصادي السريع، لكن هذه الفرصة تتحول إلى عبء إذا لم تُترجم إلى وظائف منتجة، تعليم نوعي، ونظام صحي متطور.
وتسارع الشيخوخة يفرض تحديات كبيرة على منظومة الرعاية الصحية والحماية الاجتماعية، بما في ذلك تطوير خدمات طب الشيخوخة، توسيع شبكات التغطية، وتعزيز سياسات الرعاية طويلة الأمد، خصوصًا في ظل تقلص حجم الأسر وتغير أنماط العيش التقليدية.
المعادلة أمام صناع القرار واضحة: أمام المغرب أقل من عقدين لتحويل التركيبة السكانية إلى رافعة تنموية. وتشمل الحلول الاستراتيجية: تحسين جودة التعليم، تحفيز الاستثمار المنتج، رفع نسبة مشاركة النساء في سوق العمل، وتعزيز الحوكمة، لضمان تحويل التحول الديموغرافي إلى فرصة حقيقية للنمو المستدام.
وتتزامن هذه التحولات مع ما تشهده دول شمال إفريقيا الأخرى؛ ففي الجزائر، من المتوقع أن يصل معدل الخصوبة إلى 2,1 طفل لكل امرأة في 2025، بينما انخفض في تونس إلى 1,7 طفل، وفي مصر تراجع معدل الإنجاب الكلي إلى 2,41 طفل لكل امرأة في 2024، ما يعكس اتجاهًا عام نحو انخفاض الخصوبة وتغير بنية الهرم السكاني في المنطقة.




