الاقتصادية

الأبناء.. الاستثمار الوحيد الذي ينمو بالقيم ويزدهر بالعلم

في عالم يسعى فيه الكثيرون لجمع الثروات وشراء العقارات وفتح المحلات التجارية، يظل كثيرون يعتقدون أن هذه الممتلكات هي الضمان لمستقبل أبنائهم.

لكن الحقيقة أعمق من ذلك: الاستثمار الأنجع والأكثر ديمومة هو في الإنسان نفسه، وفي أبنائنا الذين يمثلون الرأسمال الحقيقي الذي يبقى وينمو ويزدهر.

مستقبل الأبناء لا يُبنى بالإسمنت والحجارة فقط، بل يُشيّد بالعلم، والتربية السليمة، والقيم الأخلاقية. فحتى لو انهارت البنايات أو تغيرت الظروف الاقتصادية، فإن العقل المتعلم والخلق القويم يبقيان ثروة لا تزول.

وما يُنفق على تعليم الأبناء وتكوينهم ومرافقتهم في مساراتهم الدراسية والمهنية ليس مصاريف عابرة، بل هو استثمار طويل الأمد يعود بالخير على الأسرة والمجتمع والدولة بأكملها.

تخيّل طفلاً تُغرس فيه منذ الصغر عادة القراءة وحب المعرفة، أو شاباً يُوجّه نحو مهنة يتقنها ويعيش منها بكرامة. فالتعليم لا يقتصر على الشهادة الجامعية، بل يشمل كل معرفة نافعة، وكل خبرة عملية، وكل قيمة أخلاقية تمنح الإنسان القدرة على الاعتماد على نفسه.

كم من أسر ورّثت ثروات وممتلكات ضاعت بسبب الجهل وسوء التدبير، وكم من أسر بسيطة لم تملك إلا العلم، فحوّله الأبناء إلى نجاح وتميّز وازدهار! الفرق ليس في حجم الإرث، بل في قدرة من يرث على تطويره وحمايته وتنميته، والعقل المتعلم هو الضمان الحقيقي لذلك.

الاستثمار في الإنسان يبدأ بالتربية على القيم: الصدق، والانضباط، واحترام الوقت، وحب العمل، وتحمل المسؤولية. ثم تأتي المدرسة، والتكوين المهني، والدورات التأهيلية، والقراءة المستمرة. ومن واجب الآباء اكتشاف مواهب أبنائهم مبكراً، وتشجيعهم، واحتضان أحلامهم، وتوفير البيئة المناسبة لنموهم وتفوقهم.

في النهاية، كلنا راحلون، وما نتركه خلفنا من مال أو ممتلكات زائل. أما ما يدوم ويحقق الأثر الحقيقي فهو الأبناء المتعلمون الصالحون، والعلم الذي ينتفع به الناس، والأثر الطيب الذي يبقى في المجتمع. الأبناء هم الصدقة الجارية الحقيقية، وهم الامتداد المشرق لآبائهم.

فلنحوّل اهتمامنا من بناء الجدران إلى بناء العقول، ومن جمع الأموال إلى صناعة الإنسان. فالمجتمعات لا تنهض بالبنايات وحدها، بل بكفاءة أبنائها، والاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الوحيد الذي لا يخذلكم أبداً.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى