الاقتصادية

فقاعات الأسواق: من التفاؤل إلى الانهيار المالي

بين الحماسة الجامحة والخوف الصامت، تتشكل الفقاعات المالية على نحو يجعل معظم المستثمرين غير مدركين للخطر الذي يلوح في الأفق. يسميها البعض “مرحلة نمو جديدة”، ويصفها صناع السياسات بأنها “تحول هيكلي”، فيما يعتبرها محللون آخرون مجرد “تفاؤل مؤقت”.

لكن التاريخ لا يخطئ؛ فهذه الأحداث غالبًا ما تنتهي بلقب واحد: فقاعة مالية.

من هوس زهور التوليب في هولندا بالقرن السابع عشر، إلى انهيار شركات الإنترنت في أوائل الألفية، مرورًا بأزمة الإسكان الأمريكية عام 2008، يظل النمط متكررًا: ارتفاع الأسعار بعيدًا عن الواقع، تغليب الإيمان على التحليل، واختفاء المخاطر خلف وهم الفرصة.

حتى عندما تظهر الأدلة في التقييمات وسلوك المستثمرين والبنية المالية، تظل الأسواق في “المرحلة الصامتة” للفقاعة، حيث تصل المخاطر إلى ذروتها بينما يظل القلق في أدنى مستوياته، مما يجعل التعرف المبكر على الأزمة تحديًا كبيرًا.

العلامة الأولى على الفقاعة ليست السرعة، بل غياب الأساس الاقتصادي. فالأسواق يمكن أن ترتفع بسرعة إذا دعمت الأرباح والإنتاجية هذا الصعود، لكن الفقاعة تبدأ عندما يتجاوز ارتفاع الأسعار قدرة الاقتصاد على تبريره.

أبرز مثال على ذلك فقاعة شركات الإنترنت بين 1995 و2000، حين قفز مؤشر ناسداك أكثر من 400%، بينما لم تواكب الأرباح هذا الصعود. شركات مثل “بيتس دوت كوم” وصلت قيمتها السوقية إلى أكثر من 300 مليون دولار رغم إيرادات محدودة وخسائر مستمرة. وعندما انفجرت الفقاعة، تبخرت نحو 7 إلى 8 تريليونات دولار من القيمة السوقية للأسهم الأمريكية.

وتكرر النمط قبل أزمة 2008 في سوق العقارات الأمريكية، حيث ارتفعت أسعار المنازل بنسبة 90% بين 2000 و2006، بينما نما متوسط دخل الأسر بنسبة 20% فقط، لتتحول المنازل إلى أدوات مضاربة، ويصبح الاعتماد على شراء مشترك جديد بدل القدرة الفعلية على الدفع قاعدة سائدة.

حتى الأسواق الحديثة مثل العملات المشفرة لم تسلم من هذا الانفصال بين السعر والأساسيات. ارتفعت “بيتكوين” من نحو 7 آلاف دولار في 2020 إلى 69 ألف دولار في نوفمبر 2021، وفي 2024 تجاوزت حاجز 100 ألف دولار، مدفوعة بموجة مضاربية هائلة بعيدة عن أي أساس اقتصادي حقيقي.

الفقاعات ليست مجرد أرقام، بل انعكاس لموجات نفسية جماعية. الأسواق تنتفخ لأن قناعات المستثمرين تتغير، ويقتنعون بأن “هذه المرة مختلفة”.

أحد أبرز المؤشرات هو دخول المستثمرين الجدد والمتأخرين في مراحل الصعود الأخيرة، كما حدث قبل انهيار شركات الإنترنت حين تضاعف عدد حسابات الوساطة الإلكترونية، أو قبل أزمة الرهون العقارية حين تم منح قروض دون تحقق كامل من القدرة على السداد.

المرحلة الأخيرة من الفقاعة غالبًا ما تكون غير مرئية، لكنها تنشأ داخل النظام المالي نفسه. عندما يعتمد ارتفاع الأسعار على الاقتراض المفرط، يصبح أي انخفاض بسيط سببًا لانهيار عنيف. قبل أزمة 2008، تجاوزت قيمة القروض عالية المخاطر 1.3 تريليون دولار، وتم تحويلها إلى منتجات مالية معقدة، مما أدى إلى تراكم المخاطر داخل النظام كله.

وعندما بدأ المقترضون يتعثرون، انتشرت الخسائر بسرعة، كما حدث في انهيار سوق الأسهم عام 1929 أو ارتفاع ديون الهامش في 2021.

الفقاعات لا تعلن عن نفسها بصوت عالٍ، لكنها تهمس عبر تقييمات متضخمة، تفاؤل جماعي مفرط، وبنية مالية هشة. التعرف عليها يتطلب شجاعة فكرية، ومقاومة للرواية السائدة، وتحليل الأرقام بعيدًا عن ضجيج الأسواق. الهدف ليس الانسحاب من الأسواق، بل فهم متى تصبح الأرباح معتمدة على الإيمان الجماعي أكثر من الأساس الاقتصادي الحقيقي.

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى