اقتصاد المغربالأخبار

أشباه الموصلات.. رهان المغرب لدخول نادي العمالقة وصناعة السيادة الرقمية

من رحم التحديات الجيوسياسية الكبرى، يولد طموح مغربي جديد يكسر القواعد التقليدية للصناعة في القارة السمراء، حيث تستعد المملكة المغربية اليوم لخط أعظم فصول تحولها الاقتصادي عبر دخول “نادي الكبار” في صناعة أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية.

هذا المشروع الضخم ليس مجرد استثمار عابر أو بناء لمصانع صامتة، بل هو إعلان عن ميلاد “وادي سيليكون” متوسطي يهدف إلى فك الارتباط بالتبعية التكنولوجية الخارجية، وتحويل المغرب من بلد مستهلك للتقنيات الدقيقة إلى لاعب محوري يتحكم في “عصب” الصناعات العالمية الحديثة، مما يضع الاقتصاد الوطني على سكة الابتكار والذكاء الصناعي الذي بات يمثل “النفط الجديد” في صراع القوى الدولية.

ويأتي اختيار مدينة الناظور كقلب نابض لهذا المشروع الاستراتيجي ليؤكد دقة التخطيط المغربي في استغلال عبقرية المكان، حيث تتحول المدينة إلى “منصة ذكية” تربط إفريقيا بعمق الأسواق الأوروبية بفضل بنيتها اللوجستية المتطورة وموانئها التي ستصبح شريان الحياة لسلاسل التوريد العالمية.

إن أثر هذا القطب الصناعي لن يتوقف عند حدود أسوار المصانع، بل سيمتد ليخلق ثورة في النسيج المقاولاتي المحلي، محفزاً الشركات الصغرى والمتوسطة على الانخراط في منظومة إنتاجية عالية القيمة، فضلاً عن كونه سيشكل قاطرة لإصلاح جذري في منظومة التعليم العالي والتكوين المهني، عبر صقل مهارات جيل جديد من المهندسين والتقنيين المغاربة المتخصصين في “النانو تكنولوجيا”، وهو ما يضمن استدامة هذا التحول وبناء رأسمال بشري ينافس أرقى الكفاءات الدولية.

إن الرهان الحقيقي الذي يقوده المغرب اليوم من خلال هذه الخطوة يتجاوز الأرقام الاقتصادية ليلامس جوهر “السيادة الوطنية” بمفهومها الشامل؛ ففي ظل الأزمات العالمية التي كشفت هشاشة الاعتماد على الموردين الخارجيين في قطاع الرقائق، يختار المغرب تأمين مستقبله الصناعي في مجالات حيوية كالسيارات الكهربائية، والطيران، والأجهزة الطبية، والأنظمة الدفاعية المتطورة.

هذا التموضع الذكي لا يعزز فقط الثقة الاستثمارية للشركات العالمية العملاقة في “الوجهة المغربية”، بل يبعث برسالة صريحة إلى العالم مفادها أن المملكة لم تعد تكتفي بموقع المتفرج، بل أصبحت شريكاً فاعلاً في رسم الخريطة التكنولوجية للمستقبل، مؤكدة أن السيادة الرقمية هي المفتاح الحقيقي للريادة في القرن الحادي والعشرين.

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى