سندات القرن: كيف تراهن “ألفابت” على المستقبل البعيد؟

في سوق المال، من النادر أن ترى شركة شابة تراهن على نفسها لمئة عام قادمة، لكن “ألفابت” – الشركة الأم لـ “جوجل” – فعلت ذلك بإصدارها سندات تمتد آجال استحقاقها حتى عام 2126. خلال أقل من 24 ساعة، جمع الطرح نحو 32 مليار دولار، وهو رقم يعكس ثقة المستثمرين، لكنه يطرح في الوقت نفسه تساؤلات حول قدرة شركة عمرها أقل من ثلاثة عقود على الوفاء بالتزامات تمتد لأجيال.
طرحت “ألفابت” سندات متعددة الآجال باليورو والجنيه الإسترليني والفرنك السويسري، بعد بدء إطلاق ديون بقيمة 20 مليار دولار في السوق الأمريكية. اللافت كان إصدار سند إسترليني نادر لأجل 100 عام، لأول مرة منذ “موتورولا” في 1997، أي قبل فقاعة الإنترنت.
اختيار السوق البريطانية لم يكن صدفة، فهناك قاعدة واسعة من المؤسسات التي تبحث عن سندات طويلة الأمد، ما دفع الطلب إلى عشرة أضعاف المعروض، وتمكنت الشركة من تسعير السند عند 1.2% فوق العوائد الحكومية لعشر سنوات، أقل من توقعات السوق الأولية.
تكمن أهمية هذا الطرح في أنه جزء من استراتيجية “ألفابت” لتوسيع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. ففي نوفمبر الماضي، أصدرت الشركة سندات لأجل 50 عامًا، ما رفع ديونها طويلة الأجل إلى 46.5 مليار دولار بنهاية 2025.
وخطط الإنفاق لهذا العام تصل إلى 185 مليار دولار على مراكز البيانات والتكنولوجيا الحديثة، أي نحو ضعف ما أنفقته العام الماضي.
وليس “ألفابت” وحدها؛ إذ من المتوقع أن تنفق أكبر شركات التكنولوجيا الأربع – “ألفابت”، “مايكروسوفت”، “ميتا”، و”أمازون” – مجتمعة أكثر من 630 مليار دولار هذا العام، ما يعكس السباق العالمي للاستثمار في المستقبل الرقمي.
على الرغم من ندرتها، ليست هذه التجربة جديدة بالكامل؛ فقد أصدرت شركات مثل “موتورولا” و”آي بي إم” سندات لأجل 100 عام في التسعينيات.
اليوم، هذه النوعية من السندات تستهدف بشكل أساسي المؤسسات طويلة الأجل، مثل صناديق التقاعد وشركات التأمين، الباحثة عن دخل ثابت يمتد لعقود، بينما يبقى المستثمرون الأفراد أكثر حذرًا بسبب تقلب أسعار الفائدة وطول الأمد، إضافة إلى المخاطر التكنولوجية عبر الأجيال.

يستحضر هذا الإصدار ذكرى طرح شركات كبرى للسندات طويلة الأمد قبل فقاعة “دوت كوم”، لكن الاختلاف الجوهري اليوم هو أن عمالقة التكنولوجيا الحاليين يحققون أرباحًا وتدفقات نقدية ضخمة، ما يمنحهم قاعدة تمويل أكثر صلابة مقارنة بأواخر القرن الماضي.
الإقبال الكبير على سندات القرن يعكس رؤية المستثمرين بأن “ألفابت” تمتلك بنية تحتية متكاملة ومستقرة، قادرة على الصمود طويلًا في عالم متغير. ومع ذلك، التاريخ يذكّر بأن الريادة التكنولوجية ليست دائمة، وما يبدو اليوم قويًا قد يتبدل خلال دورة اقتصادية واحدة، ما يجعل هذه السندات تجربة جريئة في عالم المال.




