الاقتصادية

الولايات المتحدة بين الدين والذكاء الاصطناعي: هل يمكن تجنب الكارثة المالية القادمة؟

تخيل أن أكبر اقتصاد في العالم يسير على حافة الانهيار المالي، كل قرار سياسي صغير قد يشعل اضطرابات عالمية، والأسواق تترقب كل حركة في الكونجرس بقلق متزايد.

هذه ليست مجرد صورة مستقبلية، بل تذكير بما حدث في صيف 2011، عندما اقتربت الولايات المتحدة من التخلف عن سداد ديونها لأول مرة، وتعرضت الأسواق العالمية لتقلبات عنيفة.

بين 22 يوليو و8 أغسطس، خفضت وكالة “إس آند بي” التصنيف الائتماني الأمريكي من “AAA” إلى “AA+” بسبب المخاوف من العجز المالي المتفاقم، وتراجعت الأسهم الأمريكية بنسبة 17% وأسواق الأسهم العالمية بنسبة 13%، بينما ارتفعت تكاليف التأمين على ديون بعض الدول بأكثر من 40%.

الأزمة آنذاك نشأت عن صراع سياسي في الكونجرس حول سقف الدين، ووصفها بعض المراقبين بأنها أشبه بمعارك الحرب الأهلية الأمريكية في القرن التاسع عشر. لكن قبل ثلاثة أيام من الوصول إلى نقطة الانهيار، تم التوصل إلى اتفاق رفع سقف الدين وخفض الإنفاق، لتفادي كارثة اقتصادية كان لها من الممكن أن تهز النظام المالي العالمي بأسره.

تطور الدين الأمريكي

العام

حجم الدين

(تريليون دولار)

نسبة الدين إلى الناتج

المحلي الإجمالي

(%)

نسبة العجز/ الفائض إلى الناتج المحلي الإجمالي

(%)

1980

0.91

31.8

(2.6)

1990

3.23

53.8

(3.7)

2000

5.67

54.9

+2.3

2010

13.56

89.9

(8.6)

2020

26.95

125.9

(14.7)

2025

38.5

120.0

(6.1)

اليوم، يواجه الاقتصاد الأمريكي وضعًا أكثر هشاشة: الدين الفيدرالي يقارب 39 تريليون دولار، أي أكثر من 120% من الناتج المحلي الإجمالي، مع عجز موازنة يقارب 1.8 تريليون دولار.

مقارنة بما كان عليه الوضع في 2011، فإن الدين تضاعف تقريبًا، والفارق أن تكلفة خدمة هذا الدين أصبحت تمثل نحو تريليون دولار سنويًا، أي أكثر من ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية بأكملها.

ويشير الخبراء إلى أن تجاوز نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 77% لفترات طويلة مرتبط بتباطؤ النمو الاقتصادي، ما يجعل الولايات المتحدة أمام اختبار جديد لاستدامة اقتصادها وقدرتها على تمويل التزاماتها دون زعزعة الاستقرار العالمي.

الملياردير إيلون ماسك حذر من “كارثة مالية حتمية” إذا لم تُعالَج مسألة الدين، مقترحًا الاعتماد على الأتمتة والذكاء الاصطناعي لتعزيز الإنتاجية وتقليل عبء الدين.

لكن الاقتصاديين، مثل الدكتور عبد الحميد نوار، يشددون على أن الحلول التكنولوجية وحدها غير كافية.

فالإدارة الفعالة للديون تتطلب إجراءات تقليدية: ضبط الإنفاق، إصلاحات ضريبية، إدارة السياسة النقدية، بينما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة مساعدة لتسريع الحل، وليس بديلًا عن الإجراءات المالية التقليدية.

نظرًا لاعتماد النظام المالي العالمي على الدولار وسندات الخزانة الأمريكية، فإن أي تخلف عن السداد قد يؤدي إلى:

  • انهيار الدولار وفقدان الثقة في الملاذ الآمن للمستثمرين.

  • تقلبات حادة في أسعار العملات والأسهم العالمية.

  • تعطل أسواق الائتمان والتجارة الدولية، مع احتمال ركود اقتصادي واسع في الولايات المتحدة.

  • ارتفاع تكاليف الاقتراض للأسر والشركات بشكل كبير.

تحليلات “موديز” و”بروكينجز” تشير إلى أن أي أزمة في سقف الدين قد توقف النمو الاقتصادي الأمريكي تقريبًا، وقد تكون أسوأ من أزمة 2008، وفق رؤية الاقتصادي بول كروغمان.

الخبراء يؤكدون أن السبيل لا يكمن في انتظار “معجزة التكنولوجيا”، بل في التدابير المالية التقليدية المدعومة بالسياسات الرشيدة:

  • ضبط الإنفاق الحكومي ووضع أولويات واضحة.

  • إصلاحات ضريبية فعّالة لتعزيز الإيرادات.

  • إدارة الفوائد والسياسات النقدية بحكمة.

  • دعم النمو الاقتصادي من خلال الاستثمار المدروس والابتكار التكنولوجي، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي كأداة لتعزيز الإنتاجية على المدى الطويل.

التاريخ أظهر قدرة الولايات المتحدة على تجاوز أزمات الديون، لكن حجم الدين الحالي أكبر وأكثر تعقيدًا. ومع اتخاذ الإجراءات المالية والسياسية المناسبة الآن، يمكن لأمريكا حماية نفسها والعالم من أي صدمات محتملة، وضمان استقرار النظام المالي العالمي، بعيدًا عن الاعتماد على حلول سريعة أو وعود التكنولوجيا المستقبلية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى