الاقتصاديةالعملات الرقمية

الأسواق في زمن البئر الملعونة.. الذهب والعملات الرقمية والأسهم تحت ضغط الجنون

في عالم الأسواق المالية، أحيانًا يبدو المشهد أشبه بقصة خيالية: مدينة مزدهرة تعتمد على بئر واحدة، وفجأة تصيبها تعويذة تجعل كل من يشرب منها يفقد صوابه.

حتى الملك نفسه اضطر للشرب ليعود النظام، بينما غرق الآخرون في الفوضى. هذا التشبيه يعكس بدقة ما حدث في الأسواق المالية مؤخرًا، حيث شهدت جميع الأصول تقريبًا تقلبات حادة وسلوكيات غير منطقية من المستثمرين.

الذهب، الذي يُفترض أنه الملاذ الآمن في أوقات الاضطراب، لم يسلم من موجة الذعر. في نهاية يناير، شهد المعدن الأصفر انخفاضًا يقارب 20% خلال يومين فقط، بعد ترشيح “كيفن وارش” لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي بدلًا من “باول”.

لكن مقارنة هذا التراجع بأزمات الذهب السابقة تظهر هشاشة السوق الحالي أكثر من كونها أزمة حقيقية. ففي 2013، أدت توقعات المؤسسات المالية المخفضة ومستويات وقف الخسارة إلى موجة بيع واسعة، بينما في 1980، قرارات “بول فولكر” برفع الفائدة الأمريكية إلى مستويات قياسية دفعت الذهب لتسجيل تراجع يقارب 50%، أكبر تصحيح في تاريخ المعدن النفيس.

ولم تكن العملات الرقمية بمنأى عن حالة الفوضى، خصوصًا “البيتكوين”، الذي وصل إلى 122 ألف دولار في أكتوبر 2025 قبل أن يتراجع إلى 61 ألف دولار بحلول فبراير، أي فقد نحو نصف قيمته خلال أربعة أشهر.

ويشير الخبراء إلى أن السبب المعلن—ترشيح “وارش”—يبقى غير كافٍ لتفسير هذا التراجع الكبير، خصوصًا مع استمرار الدعم الإداري للعملات الرقمية، والميل المتزايد لدى المستثمرين لتنويع المحافظ في ظل المخاطر السياسية والاقتصادية وفقاعات الذكاء الاصطناعي.

حتى أسواق الأسهم شهدت ردود فعل غير متوقعة. “أبل” و”أمازون” حققتا نتائج قوية في الربع الرابع من 2025، وتفوقت “أمازون” على التوقعات، خصوصًا في قطاع الخدمات السحابية.

ومع ذلك، إعلان الشركتين عن خطط استثمار ضخمة في الذكاء الاصطناعي—180 مليار دولار لألفابت و200 مليار دولار لأمازون في 2026—أدى إلى هبوط أسعار الأسهم بين 5-7%، وهو سلوك يبدو معاكسا للمنطق.

ويرى المحللون أن هذا الانعكاس ناجم عن سيطرة المضاربات، التداول شبه الآلي، وتأثير الجيل “زد” الذي يفضل الاستثمارات قصيرة المدى والمضاربات، ما يجعل الأسواق أكثر عرضة للتقلبات الحادة وردود الفعل الفجائية.

في ظل هذه الفوضى، يبدو أن السبيل الوحيد لتجنب الخسائر هو الابتعاد عن “البئر الملعونة” والتمسك بأساسيات التحليل المالي، والتحفظ في القرارات، وتنويع المحافظ الاستثمارية.

التيار الجماعي قد يبدو مغريًا، لكنه يقود إلى فقدان المنطق، تمامًا كما حدث في المدينة التي شرب أهلها من البئر المسحورة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى