الأسهمالاقتصادية

لعبة الاحتمالات: هل تدار الأسواق بالمهارة أم بمصادفات القدر؟

في عالم المال والأسواق، كثيرًا ما يُسأل المستثمرون: هل نجاحك يعتمد على مهارتك أم على الحظ البحت؟ لتوضيح الإجابة، أجرت صحيفة “ذا أوبزرفر” البريطانية تجربة غريبة عام 2012، صدمت الجميع بنتيجتها.

الاختبار شمل ثلاث مجموعات: خبراء استثمار، طلاب جامعات، و… قطة برتقالية تُدعى أورلاندو. كل فريق حصل على 5 آلاف جنيه إسترليني للاستثمار في خمس شركات من مؤشر “فوتسي أول شير”، مع إمكانية تعديل محفظته كل ثلاثة أشهر. أما أورلاندو؟ فكان يختار الأسهم بطريقة عشوائية، عبر الضغط على لوحة اللعبة.

وبنهاية العام، حقق القط 5542 جنيهًا إسترلينيًا، متفوقًا على الخبراء (5176 جنيهًا) والطلاب (4840 جنيهًا). النتيجة كانت واضحة: الحظ وحده.

في عالم الاستثمار، يختلف فهم الحظ. فبعضهم يراه حدثًا عشوائيًا لا يمكن التنبؤ به، بينما يراه آخرون نتيجة عقلية واستعداد جيد للفرص المناسبة.

الباحث ريتشارد وايزمان أجرى دراسة لمدة عشر سنوات ووجد أن الأشخاص “المحظوظين” يتشاركون سلوكيات محددة: الانفتاح على الفرص، الثقة بالحدس، وتحويل التحديات إلى فرص. في المقابل، غالبًا ما يفوت “غير المحظوظين” الفرص بسبب التركيز على المخاطر أو الأخطاء الماضية.

ويشير وايزمان: “كلما زاد انغماسك في شيء واحد، تقل فرصتك لرؤية فرص أخرى… الانفتاح الذهني والحالة المزاجية الجيدة يعززان الحظ”.

البيانات تظهر أن الصدفة تلعب دورًا كبيرًا حتى بين الخبراء. خلال عشر سنوات حتى منتصف 2024، لم يتمكن حوالي 90% من مديري صناديق الأسهم النشطة من التفوق على المؤشرات القياسية. وفي الولايات المتحدة، أظهرت دراسة لعشرين عامًا أن 65% من صناديق الأسهم الكبيرة أداؤها كان أقل من مؤشر S&P 500.

كما أظهرت دراسة مورنينج ستار أن خلال العقد المنتهي في يونيو 2025، تمكن 21% فقط من الصناديق النشطة من التفوق على نظيراتها، ونجح 8% فقط من الصناديق الأمريكية الكبيرة في البقاء في السوق وتحقيق التفوق في الوقت ذاته.

حتى مع استراتيجيات طويلة الأمد، غالبًا ما تعكس النتائج اللافتة قصيرة المدى الحظ أكثر من المهارة.

على الرغم من قوة الحظ، يؤكد مستثمرون كبار مثل وارن بافت أن التحليل الدقيق والاستراتيجية طويلة المدى هما أساس النجاح. شركة بيركشاير هاثاواي حققت نموًا سنويًا متوسطًا يقارب 20% بين 1965 و2020، لكن بافت يشير إلى أن نجاحه كان يعتمد على عدد محدود من القرارات الصحيحة، لا أكثر.

وفي خطاب للمساهمين، تحدث بافت عن الحظ في حياته الشخصية والمهنية، مستذكرًا أنه وُلد في بيئة ميسورة، أبيض، ذكي، وفي الولايات المتحدة، معلقًا مازحًا: “شكرًا لحظي!”.

حتى قصص مثل بيل غيتس الذي ترك الجامعة، وجيف بيزوس قبل فقاعة “دوت كوم”، تُظهر أن الحظ عنصر مهم في بناء الثروات، لكنه لا يغني عن العمل والتحليل والمثابرة.

يحذر مفكرون مثل نسيم طالب من الاعتماد الكلي على الحظ، إذ يمكن للثقة الزائدة بالصدفة أن تؤدي إلى خسائر فادحة. الدراسات السلوكية توضح أن المستثمرين الأفراد غالبًا ما يشترون بعد الأداء القوي ويبيعون بعد الأداء الضعيف، ما يولد فجوة سنوية في العوائد تصل إلى 1-2%، لكنها تتراكم لتصبح خسائر كبيرة على المدى الطويل.

الاستراتيجيات القائمة على التحليل والالتزام بخطط واضحة — مثل التنويع، التقييم المعقول للأسهم، والتحكم بالتكاليف — تزيد فرص النجاح على المدى الطويل، حتى مع وجود عنصر الحظ.

كما يؤكد الباحث مايكل موبوسين: “في عالم يسيطر عليه الحظ، العملية المنضبطة هي الطريق الأضمن لتحقيق النجاح”.

الحظ حاضر ولا يمكن تجاهله، لكنه ليس العامل الوحيد. في عالم الاستثمار، قد تتفوق قطة عشوائية على الخبراء أحيانًا، لكن التفوق الحقيقي يحتاج إلى معرفة، صبر، واستراتيجية طويلة المدى. الحظ يبتسم أحيانًا، لكنه وحده لا يصنع المستثمر الماهر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى